في محاولة لفهم واحد من أعقد الأنظمة التي يعتمد عليها العالم اليوم، يقدّم باحثون من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ رؤية جديدة لحركة الإنترنت العالمية، مستلهمين تشبيهًا قديمًا يُشبه حال الباحثين بقصة “العميان الخمسة والفيل”، حيث يلمس كل منهم جزءًا مختلفًا دون أن يدرك الصورة الكاملة.
زاوية جديدة لرؤية الإنترنت
الدراسة، التي أعدّها الباحثون إيجه جيم كيرجي وأيوش ميشرا ولوران فانبيفر، اعتمدت على تحليل بيانات تمتد لعامين من 2023 إلى 2024، وشملت 472 نقطة تبادل إنترنت IXP حول العالم، وهي مواقع رئيسية يتم من خلالها تبادل البيانات بين الشبكات المختلفة. وتُعد هذه الدراسة من أوسع المحاولات لرصد حركة الإنترنت بشكل مباشر وقابل للتحقق، إذ تغطي ما يقارب 87% من القدرة الاستيعابية العالمية لهذه النقاط.
نمو متسارع يعكس التحول الرقمي
تكشف النتائج عن نمو لافت في حركة الإنترنت، حيث ارتفع متوسط حجم البيانات المتبادلة يوميًا من نحو 138 تيرابت في الثانية إلى 200 تيرابت، بزيادة بلغت 49.2% خلال عامين. هذا النمو، رغم تسارعه في عام 2023 مقارنة بالعام التالي، يعكس استمرار الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية، سواء في العمل أو الترفيه أو التواصل.
دلالة “شكل” الاستخدام
غير أن أهمية الدراسة لا تكمن فقط في قياس حجم الإنترنت، بل في فهم “شكله” وسلوكه. فبدلًا من الاعتماد على بيانات شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تعكس جزءًا من النشاط الرقمي، تقدّم نقاط تبادل الإنترنت منظورًا أكثر حيادًا، إذ تنقل حركة البيانات دون ارتباط مباشر بتطبيق أو خدمة بعينها.
العالم الرقمي يعكس اختلاف المجتمعات
ومن خلال هذا المنظور، برزت اختلافات واضحة في أنماط استخدام الإنترنت بين مناطق العالم. ففي أمريكا الجنوبية، على سبيل المثال، تظهر حركة الإنترنت تقلبات حادة بين الليل والنهار، ما يشير إلى اعتماد أكبر على الاستخدام المنزلي. أما في الشرق الأوسط، فتتأخر ساعات الذروة إلى وقت متأخر من الليل، في انعكاس للعادات الاجتماعية والثقافية. وفي آسيا والمحيط الهادئ، يبدو الإنترنت في حالة نشاط شبه مستمر، مع انخفاضات طفيفة فقط خلال ساعات الفجر.
حين تتأثر حركة الإنترنت بالعالم الحقيقي
وتُظهر البيانات أيضًا أن الإنترنت لا ينفصل عن الواقع، بل يتفاعل معه بشكل مباشر. فقد سجّلت الدراسة ارتفاعات ملحوظة في حركة البيانات خلال أحداث عالمية مثل افتتاح الألعاب الأولمبية أو المباريات الرياضية الكبرى، حيث يمكن أن تتضاعف حركة الإنترنت في ساعات قليلة. كما تركت تحديثات الألعاب الإلكترونية بصمات واضحة، إذ ارتفعت معدلات الاستخدام بشكل مفاجئ خلال فترات تحميل التحديثات أو التفاعل معها.
من الفوضى إلى النمط
أحد الجوانب اللافتة في الدراسة هو كيفية تحوّل حركة الإنترنت من العشوائية إلى الانتظام مع زيادة حجمها. فكلما زاد عدد المستخدمين وتدفقت كميات أكبر من البيانات، بدأت الأنماط اليومية في الظهور بوضوح، لتعكس إيقاع الحياة البشرية من عمل ونوم وترفيه. واستخدم الباحثون مفهوم “الإنتروبيا” لقياس هذا الانتظام، حيث تشير القيم المنخفضة إلى سلوك أكثر انتظامًا، وهو ما لوحظ في الشبكات ذات الحجم الكبير.
محددات الرؤية نحو فهم أعمق
ورغم هذا التقدم، تؤكد الدراسة أن هذه الرؤية لا تزال جزئية. فهي لا تشمل كل حركة الإنترنت، خصوصًا الاتصالات الخاصة بين الشركات، كما أنها لا تكشف طبيعة المحتوى أو التطبيقات المستخدمة. إضافة إلى ذلك، تعاني بعض المناطق من نقص في البيانات، ما يحدّ من شمولية الصورة.
مع ذلك، تمثل هذه النتائج خطوة مهمة نحو فهم أعمق للإنترنت، ليس فقط كشبكة تقنية، بل كمرآة تعكس سلوك البشر وتفاعلهم مع العالم الرقمي. وبينما يستمر الإنترنت في التوسع، يبدو أن جمع هذه “الزوايا المختلفة” هو السبيل الوحيد لرؤية الصورة الكاملة.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
