في بيئة يغلب عليها النزوح وانعدام الاستقرار، تكشف دراسة يمنية حديثة عن واقع صحي مقلق يواجه الأطفال في سنواتهم الأولى، حيث تتراجع ممارسات التغذية الأساسية إلى مستويات تهدد نموهم وبقاءهم على قيد الحياة.
الدراسة التي أعدتها الباحثتان صفاء عمر العوذلي وهدى عمر باسليم من جامعة عدن، ونُشرت في المجلة اليمنية للبحوث الطبية والصحية، تناولت أوضاع تغذية 301 طفلًا من عمر يوم واحد حتى 23 شهرًا داخل مخيمات النازحين في محافظة عدن خلال مطلع عام 2023 ، في محاولة لرسم صورة دقيقة عن واقع التغذية في واحدة من أكثر البيئات هشاشة في البلاد.
مؤشرات مقلقة منذ اللحظات الأولى للحياة
تُظهر النتائج أن أكثر من نصف الأطفال فقط حصلوا على الرضاعة الطبيعية خلال الساعة الأولى بعد الولادة، وهي خطوة أساسية لتعزيز المناعة وبداية صحية للحياة. ورغم أن هذه النسبة تبدو مقبولة نسبيًا، إلا أن بقية المؤشرات تكشف فجوة واسعة، إذ لم تتجاوز نسبة الرضاعة الطبيعية الحصرية—أي الاعتماد الكامل على حليب الأم خلال الأشهر الستة الأولى—نحو 17.6%، وهو رقم بعيد عن المعايير الدولية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهرًا، وهي المرحلة التي يحتاجون فيها إلى غذاء متنوع ومتكامل، لم يحصل سوى 13.8% منهم على الحد الأدنى المقبول من الغذاء. في المقابل، ارتفعت نسبة الاعتماد على الرضاعة الصناعية باستخدام الزجاجات إلى قرابة الثلث، وهي ممارسة ترتبط بمخاطر صحية متعددة في بيئات تفتقر إلى المياه الآمنة والرعاية الصحية الكافية.
لماذا تمثل هذه الأرقام إنذارًا خطيرًا؟
تعكس هذه النتائج واقعًا يتجاوز مجرد سوء تغذية عابر، لتشير إلى تهديد مباشر لصحة الأطفال على المدى القريب والبعيد. فضعف التغذية في السنوات الأولى يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالأمراض، وتأخر النمو العقلي والجسدي، وحتى انخفاض فرص البقاء على قيد الحياة. وفي سياق النزوح، تتضاعف هذه المخاطر بسبب محدودية الموارد والخدمات.
العوامل الخفية وراء الأزمة
تحليل البيانات يكشف أن المشكلة لا ترتبط بنقص الغذاء فقط، بل تتداخل فيها عوامل اجتماعية وصحية متعددة. فقد أظهرت الدراسة أن الولادة القيصرية تقلل بشكل ملحوظ من فرص بدء الرضاعة الطبيعية المبكرة، وهو ما يُعزى غالبًا إلى التأخر في تواصل الأم مع طفلها بعد العملية.
كما تبين أن مستوى الدخل يلعب دورًا حاسمًا، حيث كانت الأسر ذات الدخل المنخفض أقل قدرة على توفير غذاء متنوع وكافٍ لأطفالها. ويبرز عامل الرعاية الصحية أيضًا، إذ ارتبط غياب متابعة الحمل بانخفاض جودة تغذية الأطفال لاحقًا، ما يشير إلى أهمية التوعية والإرشاد المبكر للأمهات.
ومن زاوية أخرى، ظهر تأثير تعليم الوالدين، حيث ارتبط انخفاض مستوى تعليم الأب بزيادة الاعتماد على الرضاعة الصناعية، وهو ما يعكس دور الوعي الأسري في اتخاذ قرارات التغذية.
المساعدات الإنسانية… حضور غير كافٍ
ورغم أن أكثر من نصف الأسر في المخيمات تتلقى مساعدات إنسانية، إلا أن الدراسة تشير إلى أن هذه المساعدات غالبًا ما تكون غير منتظمة، ولا تلبي الاحتياجات الغذائية المتزايدة للأطفال. ويؤدي هذا النقص إلى اعتماد الأسر على خيارات غذائية محدودة، تفتقر إلى التنوع والقيمة الغذائية اللازمة للنمو السليم.
حدود الدراسة وقراءة النتائج بحذر
تشير الباحثتان إلى أن طبيعة الدراسة، التي تعتمد على مسح مقطعي في فترة زمنية محددة، لا تسمح بتحديد علاقات سببية قاطعة بين العوامل المختلفة والنتائج. كما أن الاعتماد على ذاكرة الأمهات في بعض المعلومات قد يفتح المجال لقدر من عدم الدقة، رغم الجهود المبذولة لتقليل ذلك.
دعوة عاجلة للتحرك
في المحصلة، تقدم الدراسة صورة واضحة عن فجوة خطيرة بين الواقع الصحي للأطفال في مخيمات النزوح والمعايير العالمية الموصى بها. وتؤكد الحاجة الملحة إلى تدخلات عاجلة تشمل تعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع برامج التوعية بالرضاعة الطبيعية، وتحسين خدمات الرعاية الصحية للأمهات.
اليمن، ذلك البلد الذي تتشابك فيه الأزمات، تبدو تغذية الأطفال واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا، ليس فقط لحماية الحاضر، بل لضمان مستقبل جيل كامل.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
