الرئيسية / أبحاث و دراسات / الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الطبية يرسمان خريطة مرض السرطان في اليمن
صورة من داخل مركز الأورام في عدن. المصدر: منظمة الصحة العالمية.
صورة من داخل مركز الأورام في عدن. المصدر: منظمة الصحة العالمية.

الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الطبية يرسمان خريطة مرض السرطان في اليمن

كشفت دراسة يمنية حديثة اعتمدت على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الطبية عن تفاوت حاد في انتشار السرطان بين المحافظات اليمنية، مع تسجيل محافظات إب وتعز وذمار أعلى معدلات الإصابة، في وقت يواجه فيه النظام الصحي تحديات كبيرة في التشخيص والرصد والعلاج. الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة 21 سبتمبر للعلوم الطبية والتطبيقية اعتمدت على تحليل 5226 سجلًا طبيًا لمرضى السرطان من المركز الوطني للأورام، لتقديم واحدة من أكثر الخرائط الوبائية تفصيلًا للمرض في اليمن حتى الآن.

ركز الباحثون، بقيادة الدكتور عبدالرحمن محمد حميد عبيد، على استخدام خوارزميات “الغابة العشوائية” (Random Forest) وتقنيات “التجميع الهرمي” لتحليل الأنماط الجغرافية والديموغرافية للسرطان في مختلف المحافظات اليمنية.

بؤر ساخنة للمرض

أظهرت النتائج أن السرطان لا ينتشر بالتساوي في أنحاء البلاد، بل يتركز بشكل واضح في عدد محدود من المحافظات. محافظة إب جاءت في المرتبة الأولى من حيث عدد الحالات المسجلة، تلتها تعز ثم ذمار، بينما سجلت الحديدة وأمانة العاصمة معدلات مرتفعة أيضًا مقارنة ببقية المناطق. ويرى الباحثون أن هذا التفاوت قد يرتبط بعوامل متعددة تشمل الكثافة السكانية، والتلوث البيئي، وضعف الوصول إلى خدمات الكشف المبكر والرعاية الصحية.

هذا التركز الجغرافي يمنح السلطات الصحية مؤشرًا مهمًا حول الأماكن التي تحتاج إلى تدخلات عاجلة، سواء عبر تعزيز مراكز الأورام أو توسيع برامج الفحص المبكر والتوعية.

سرطان الثدي في الصدارة

بحسب الدراسة، تصدر سرطان الثدي قائمة أكثر أنواع السرطان انتشارًا في اليمن، مشكلًا أكثر من 12% من إجمالي الحالات التي شملها التحليل. وجاءت بعده سرطانات نخاع العظم والمعدة والعقد اللمفاوية. كما كشفت البيانات أن الفئة العمرية الأكثر تأثرًا كانت فئة البالغين في منتصف العمر، بمتوسط عمر بلغ نحو 47 عامًا.

ويشير الباحثون إلى أن هذا النمط يعكس عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا مضاعفًا، لأن المرض يضرب الفئات الأكثر نشاطًا وإنتاجًا في المجتمع، في وقت تواجه فيه الأسر اليمنية صعوبات كبيرة في الوصول إلى العلاج وتحمل تكاليفه.

عندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد الطبي

لتحليل البيانات، استخدم الفريق البحثي خوارزمية “الغابة العشوائية”، وهي إحدى تقنيات التعلم الآلي القادرة على اكتشاف الأنماط المعقدة داخل البيانات الطبية. النموذج حاول التنبؤ بنوع السرطان اعتمادًا على عوامل مثل العمر والجنس والمحافظة والتشخيص السريري.

ورغم أن دقة التنبؤ المباشر بالنوع الصحيح للسرطان كانت محدودة، فإن النموذج أظهر قدرة أفضل عندما قدم أكثر من احتمال تشخيصي، وهو ما يراه الباحثون مفيدًا في البيئات التي تعاني نقصًا في الأطباء المتخصصين والإمكانات التشخيصية.

ويقول الباحثون إن الهدف من هذه النماذج ليس استبدال الطبيب، بل تقديم أداة مساعدة يمكن أن تسهم في تسريع التشخيص وتوجيه الحالات نحو الاحتمالات الأكثر ترجيحًا.

المحافظات تتشابه.. لكن ليس إداريًا

من النتائج اللافتة في الدراسة أن التحليل الإحصائي قسّم المحافظات إلى مجموعات متشابهة من حيث أنماط السرطان المنتشرة فيها، بغض النظر عن التقسيم الإداري التقليدي. هذا يعني أن محافظتين متباعدتين جغرافيًا قد تواجهان “بصمة سرطانية” متقاربة، وبالتالي تحتاجان إلى استراتيجيات صحية متشابهة.

ويرى الباحثون أن هذا النوع من التحليل يمكن أن يساعد في بناء سياسات صحية أكثر دقة، تعتمد على طبيعة المرض وانتشاره الفعلي بدلًا من الحلول العامة الموحدة.

ما الذي تعنيه هذه النتائج لليمن؟

تكشف الدراسة عن فجوة كبيرة في بيانات السرطان داخل اليمن، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لسد جزء من هذا النقص. فمع غياب السجلات الوطنية الشاملة وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالنزاع، تصبح البيانات المتاحة – حتى لو كانت محدودة – موردًا بالغ الأهمية لفهم الواقع الصحي واتخاذ قرارات أكثر كفاءة.

ويؤكد الباحثون أن المحافظات ذات المعدلات المرتفعة تحتاج إلى توسعة عاجلة في خدمات التشخيص والعلاج، خصوصًا فيما يتعلق بسرطان الثدي، الذي وصفته الدراسة بأنه “التحدي التشخيصي الأكبر” على مستوى البلاد.

محددات لا يمكن تجاهلها

ورغم أهمية النتائج، يقر الباحثون بأن الصورة لا تزال غير مكتملة. فالكثير من المناطق اليمنية تعاني ضعفًا شديدًا في خدمات التشخيص، ما يعني أن أعدادًا كبيرة من الحالات قد لا تُسجل أصلًا. كما أن الدراسة لم تتضمن بيانات تفصيلية عن العوامل البيئية أو الوراثية أو الظروف الاجتماعية المرتبطة بالمرض، وهي عناصر قد تساعد مستقبلًا في فهم أسباب التفاوت الكبير بين المحافظات.

ومع ذلك، تمثل الدراسة خطوة لافتة نحو بناء فهم علمي أكثر دقة للسرطان في اليمن، ورسالة واضحة بأن مواجهة المرض لم تعد ممكنة بالاعتماد على التقديرات العامة أو الانطباعات، بل تحتاج إلى بيانات وتحليل وتقنيات قادرة على كشف الأنماط الخفية للأزمة الصحية المتفاقمة.

انفوجراف السرطان في اليمن. المصدر: يمن ساينس.
انفوجراف السرطان في اليمن. المصدر: يمن ساينس.

شاهد أيضاً

مصلحة الضرائب في صنعاء - نظام النافذة الواحدة

الذكاء الاصطناعي يدخل معركة التهرب الضريبي في اليمن

نجح فريق بحثي من كلية الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات بجامعة صنعاء في تطوير نموذج مقارن لتحليل …