الرئيسية / العالم العربي / عن شعار الذكاء الاصطناعي للجميع
8b6322a0-ai-resize-freepik-240624

عن شعار الذكاء الاصطناعي للجميع

نبيل بنعمرو *
بقلم : نبيل بنعمرو *

مرة أخرى، شدّ الذكاء الاصطناعي الأنظار إلى ملتقى دولي بارز، بعدما نظّمت الهند، أكبر دول العالم من حيث عدد السكان، قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي، التي عُدّت أكبر حدث عالمي في هذا المجال داخل بلدان الجنوب العالمي. وحمل اسم القمة دلالة خاصة، إذ ركّز على أثر الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على الإنسان والمجتمعات. وشهدت القمة مشاركة وفود من أكثر من مئة دولة، وكان للمغرب، إلى جانب دول عربية أخرى، حضور لافت. كما شارك الوفد المغربي في الندوات والاجتماعات المخصصة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن النقاشات المتعلقة بالاستراتيجيات العملية لتبنّي هذه التكنولوجيا، ولا سيما ما يتصل منها باحتياجات دول الجنوب العالمي. ولم يكن اختيار الهند لاستضافة ملتقى بهذا الحجم مفاجئاً، بالنظر إلى الأهمية التي توليها لهذا القطاع. فقد جعلت الحكومة الهندية من الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية، عبر إطلاق “الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي” تحت شعار: «الذكاء الاصطناعي للجميع».

الهند كذلك تحتل المرتبة الثالثة عالميا كأكثر الدول تنافسية في مجال الذكاء الاصطناعي، وفقا لتصنيف ستانفورد لعام 2025 وتحتل الصدارة عالميا في مجال تصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات، وحسب موقع Anthropic، تعد الهند الآن موطنا لواحدة من أسرع قواعد مستخدمي الذكاء الاصطناعي نموا في العالم.. لا ننسى كذلك أن للهند طاقات محلية تشتغل داخل الشركات والمؤسسات الهندية ولها كذلك رأسمال بشري ربما أكبر يشتغل خارج الهند! فآخر الإحصائيات غير الرسمية تشير إلى أنه من 70% إلى 80% من المُديرين التنفيذيين لكبرى الشركات العملاقة في مجال تكنولوجيا المعلومات في العالم، والموجودة جلها في الولايات المتحدة الأمريكية، هم من أصول هندية. تضم الهند كذلك أكبر عدد من الكفاءات في العالم في مجال هندسة البرمجيات وعلماء البيانات وخبراء الذكاء الاصطناعي ما يجعل من هذا البلد أكبر منافس للولايات المتحدة الأمريكية والصين في السباق نحو الاستحواذ على سوق الذكاء الاصطناعي مستقبلا.

استحضر هنا بالمناسبة، المرحوم المهدي المنجرة، عالم المستقبليات المغربي المتوفى سنة 2014 ، حيث تنبأ قبل أكثر من ثلاثة عقود أن الريادة العالمية ستكون للهند بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

كان إذن شعار القمة لهذه السنة هو «الذكاء الاصطناعي للجميع». فماذا يعني هذا الشعار؟ وكيف يمكن جعله دعوة للعمل من أجل «دمقرطة» الولوج لهذه الأداة/ التقنية على الصعيد العالمي؟ في بداية العقد الثاني من هذا القرن، كانت هناك دعوة مماثلة أطلقتها كبرى المنظمات العالمية، التي تسهر بشكل أو بآخر على تدبير وحوكمة الإنترنت، حيث جعلت لها شعارا مماثلا وهو «الإنترنت للجميع». أتذكر عندما التقيت ذات صباح باكر في بهو الفندق المستضيف للمنتدى العالمي لحوكمة الإنترنت، الرجل الذي يُعد الأب الروحي للإنترنت: Vint Cerf. فقبل أن يُسلمني بطاقة عمله، وبعد دردشة خفيفة، حرص على أن يكتب على ظهر بطاقته الشعار إياه «الإنترنت للجميع». كانت أيامها جهات ومنظمات عدة تحمل الشعار نفسه الذي كان يُراد منه تحقيق الولوج لشبكة الإنترنت لجميع سكان العالم وبأقل تكلفة ممكنة سعيا لسد الفجوة الرقمية. هذا الشعار كان يعني كذلك أن الإنترنت يجب أن تكون أداة شاملة وتستوعب كل لغات العالم، وكل الحروف التي تُكتب بها مختلف لغات العالم. الآن يمكن القول، إنه تحقق شيء مهم في هذا المجال، حيث أصبح بالإمكان كتابة أسماء نطاقات الإنترنت بحروف غير لاتينية، وما زالت المجهودات متواصلة لكي تشمل هذه التقنية مجالات وتطبيقات أخرى كالعناوين الإلكترونية، على سبيل المثال، لا الحصر.

لكن ماذا يمكن أن نقول بالنسبة للذكاء الاصطناعي؟ هل هذه التقنية/ الأداة قادرة الآن على استيعاب التعدد اللغوي في العالم؟ ألا يزيد حاليا الذكاء الاصطناعي من الفجوة الرقمية؟ ألا تعطي تطبيقاته نتائج أفضل وأدق عندما تُصاغ الأسئلة بالإنكليزية؟
معظم النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) – الدعامة الأساسية للذكاء الاصطناعي التوليدي – دُربت بواسطة معطيات وبيانات باللغة الإنكليزية. لا غرابة في الموضوع إذا تأملنا الإحصائيات التي تعطيها لنا مؤسسات ومنصات رسمية حول ترتيب اللغات العالمية، من حيث المحتوى المنشور على الشبكة العنكبوتية. أكثر من نصف محتوى الويب متوفر بالإنكليزية بفارق كبير عن لغات أخرى، كالإسبانية والألمانية واليابانية. حتى الصينية والهندية لا تحتلان المراكز العشرة الأولى في هذا الترتيب.

اللغة العربية كذلك لا تحظى بوفرة المحتوى على الويب، حيث تحتل المرتبة 20 تقريبا، رغم أنها الخامسة عالميا من حيث عدد الناطقين بها المستعملين للإنترنت. هذه المفارقة تعكس الدور المهم والعلاقة العضوية بين وفرة محتوى بلغة معينة على الشبكة العنكبوتية وماذا تجاوب منصات الذكاء الاصطناعي مع هذه اللغة.

فإذا طرحنا سؤالا معقدا على أي منصة للذكاء الاصطناعي ك ChatGPT أو Claude باللغة العربية فالجواب غالبا ما يكون غير دقيق، أقل عمقا أو أكثر عرضة للأخطاء مقارنة بطرح السؤال نفسه باللغة الإنكليزية. وبما أن اللغة غير بريئة فهي تأتي بحمولتها الثقافية وتعكس بيئتها ومحيطها الذي أنتجها، فالموضوع يتعدى حدود اللغة إلى تسطيح السياق الثقافي كذلك. بمعنى أن الذكاء الاصطناعي سيجيب عن أسئلتنا استنادا إلى مرجعية غربية غالبا، بكل ما لها وما عليها.

لا يمكننا إذن أن نطلب من هذه الأدوات أن تحترم خصوصيتنا وهويتنا، إذا كانت لم تُدرب أصلا بمعطيات وبيانات تفتقد للغة الضاد!
هناك مجهودات عديدة حاليا لتطوير برامج ونماذج للذكاء الإصطناعي، قادرة على ترجمة أكبر عدد من اللغات – 200 تحديدا – كما هو الحال في مشروع ميتا Meta أو مشروع غوغل الذي يعتمد على نماذج لغوية متعددة اللغات MLLMs. لكن يبقى السؤال المطروح هو إلى أي مدى تنخرط هذه الشركات العملاقة في تجاوز الحاجز اللغوي من خلال تطوير هذه النماذج، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المحرك الأساسي لهذه الشركات هو الربح المادي أولا، وأنه لا يدخل في إطار أولوياتها تحقيق شعار من قبيل الذكاء الاصطناعي للجميع.

 *  كاتب مغربي – أستاذ علوم الحاسوب بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس وجامعة الأخوين بإفران

شاهد أيضاً

خريطة شبكة كابلات الإنترنت البحرية

دراسة تكشف نمو وأنماط استخدام الإنترنت عالميًا عبر نقاط التبادل في الشبكة

في محاولة لفهم واحد من أعقد الأنظمة التي يعتمد عليها العالم اليوم، يقدّم باحثون من …