في خطوة قد تغيّر الطريقة التي يدرس بها العلماء والأطباء جسم الإنسان، أطلق فريق دولي من الباحثين منصة رقمية تفاعلية تشبه «غوغل إيرث» لكنها مخصصة للأعضاء البشرية. يتيح هذا الأطلس الجديد استكشاف أعضاء الجسم كاملةً في صور ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، مع القدرة على الانتقال من رؤية العضو بالكامل إلى تفاصيل دقيقة تقارب مستوى الخلايا.
الدراسة والمشروع نتاج تعاون علمي دولي قاده باحثون من كلية لندن الجامعية (UCL) بالتعاون مع المرفق الأوروبي للإشعاع السنكروتروني (ESRF) في مدينة غرونوبل الفرنسية، وشارك فيه علماء وأطباء من تسع مؤسسات بحثية في أوروبا والولايات المتحدة. وقد استُخدمت فيه تقنية تصوير متقدمة تُعرف باسم التصوير المقطعي بالتباين الطوري الهرمي (Hierarchical Phase-Contrast Tomography – HiP-CT).
لماذا هذا الإنجاز مهم؟
يمثل هذا الأطلس الرقمي، المعروف باسم أطلس الأعضاء البشرية (Human Organ Atlas)، واحدًا من أكثر مجموعات البيانات ثلاثية الأبعاد تفصيلاً للأعضاء البشرية الكاملة. وتكمن أهميته في سد فجوة علمية استمرت قرابة قرن بين مجالين أساسيين في الطب: التصوير الطبي للأعضاء الكاملة وعلم الأنسجة الذي يدرس الخلايا الدقيقة. ويتيح هذا الدمج للباحثين رؤية بنية الأعضاء على مختلف المستويات في آن واحد، ما قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم الأمراض وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي في الطب.
تقنية تصوير أقوى بمليارات المرات
تعتمد المنصة على مصدر ضوئي سنكروتروني فائق السطوع في المرفق الأوروبي للإشعاع السنكروتروني، وهو أقوى بما يصل إلى 100 مليار مرة من أجهزة التصوير المقطعي الطبي التقليدية في المستشفيات. هذه القدرة الهائلة تسمح بتصوير الأعضاء البشرية كاملةً دون إتلافها، ثم تكبير الصورة تدريجيًا حتى الوصول إلى تفاصيل دقيقة تقل عن ميكرون واحد، أي أرفع بنحو خمسين مرة من شعرة الإنسان.
ماذا يحتوي الأطلس حتى الآن؟
حتى المرحلة الحالية، يوفر الأطلس قاعدة بيانات ضخمة تشمل:
• 56 عضوًا بشريًا
• 307 مجموعات بيانات ثلاثية الأبعاد كاملة
• عينات من 25 متبرعًا
• 11 نوعًا من الأعضاء مثل الدماغ والقلب والرئتين والكلى والكبد والرحم والطحال وغيرها
وتصل دقة بعض الصور إلى 0.65 ميكرون، ما يسمح بدراسة البنية الدقيقة للأوعية والأنسجة داخل العضو نفسه.
فوائد للطب والذكاء الاصطناعي والتعليم
يعتقد الباحثون أن هذه البيانات الضخمة ستصبح موردًا أساسيًا لتطوير الذكاء الاصطناعي الطبي، إذ إن النماذج الحاسوبية تحتاج إلى بيانات ثلاثية الأبعاد دقيقة لتعلم كيفية التعرف على الأمراض أو تحليل الأنسجة. كما يوفر الأطلس أداة تعليمية ثورية لطلاب الطب، إذ يمكنهم التنقل داخل العضو رقميًا ورؤية طبقاته وأنسجته بطريقة تفاعلية بدل الاعتماد على الرسومات التقليدية.
كما أسهمت هذه التقنية بالفعل في اكتشافات طبية مهمة، مثل الكشف عن أضرار مجهرية في الأوعية الدموية داخل رئات مرضى كوفيد-19، وتحسين فهم بعض اضطرابات القلب وأمراض النساء.
نحو تصوير الجسم البشري كاملًا
يطمح الفريق البحثي إلى توسيع المشروع خلال السنوات المقبلة عبر إضافة مزيد من الأعضاء والعينات البشرية. وعلى المدى البعيد، يأمل العلماء في تطوير التقنية بحيث يمكن تصوير جسم الإنسان كاملًا بدقة أعلى بما يتراوح بين 10 و20 مرة من التقنيات الحالية، ما قد يغيّر جذريًا طريقة دراسة التشريح البشري.
محددات الدراسة
رغم الإمكانات الكبيرة للأطلس، فإن البيانات الحالية ما تزال تعتمد على عدد محدود من المتبرعين والأعضاء المعزولة خارج الجسم، ما يعني أن فهم التنوع البيولوجي الكامل للأعضاء البشرية يتطلب جمع مزيد من العينات في المستقبل. كما أن حجم البيانات الضخم—الذي قد يصل إلى تيرابايتات عدة لكل عضو—يشكل تحديًا تقنيًا في التخزين والمعالجة.
يقدم أطلس الأعضاء البشرية نافذة رقمية غير مسبوقة على البنية الداخلية لجسم الإنسان، وقد يصبح أداة مركزية للبحث الطبي والتعليم وتطوير الذكاء الاصطناعي. ومع توسع قاعدة البيانات وتطور تقنيات التصوير، قد يصبح بإمكان العلماء قريبًا استكشاف جسم الإنسان بالكامل كما لو كانوا يتجولون في خريطة ثلاثية الأبعاد حية.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
