في مشهد يبدو للوهلة الأولى بسيطًا — كأن ترى كيسًا من الجزر في متجر الخضار — قد تختلف نظرتك لهذا العنصر اعتمادًا على السياق: هل تفكر فيه كمكون لمرقة شتوية دافئة؟ أم كجزء من طبق خضروات خفيف إلى جانب أجنحة الدجاج في أمسية هادئة؟
في حين اعتاد العلماء على الاعتقاد بأن مهمة تصنيف الأشياء تقع على عاتق قشرة الفص الجبهي في الدماغ — المسؤولة عن التفكير العالي والمنطقي — فإن دراسة جديدة من جامعة كولومبيا تقلب هذه الفرضية رأساً على عقب، مشيرة إلى أن النظام البصري في الدماغ لا يكتفي بتسجيل البيانات فقط، بل يشارك بفعالية في تفسير المعلومات بما يتناسب مع ما يفكر فيه الدماغ في تلك اللحظة.
الدراسة، التي نُشرت في 11 أبريل في مجلة Nature Communications، تقودها الدكتورة نوتيدا رونغراتساميتاويما، أستاذة مساعدة في الهندسة الطبية الحيوية وعلم الأعصاب في كلية كولومبيا للهندسة. وتقدم هذه الدراسة واحدة من أقوى الأدلة حتى الآن على أن الأنظمة الحسية الأولية في الدماغ لا تُعالج المعلومات بصيغة ثابتة، بل تتكيف في الوقت الفعلي تبعًا للسياق العقلي.
نظرة جديدة للدماغ… والذكاء الاصطناعي
تقول رونغراتساميتاويما: “نتائجنا تتحدى الفكرة التقليدية بأن المناطق البصرية في الدماغ تكتفي بـ’المشاهدة’ أو ‘تسجيل’ المعلومات البصرية. بل أظهرنا أن نظام الرؤية يعيد تشكيل الطريقة التي يُمثل بها الشيء نفسه، تبعًا لما يحاول الإنسان القيام به”.
أجريت التجارب باستخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لمراقبة نشاط الدماغ بينما يقوم المشاركون بتصنيف أشكال هندسية ضمن فئات معينة. لكن الخدعة كانت في تغيير قواعد التصنيف خلال التجربة، ما سمح للباحثين بملاحظة كيف تغيرت أنماط نشاط القشرة البصرية حسب طريقة تصنيف الأشكال.
النتائج: مرونة مدهشة حتى في المراحل الأولى من الإدراك
البيانات كشفت أن مناطق الدماغ المسؤولة عن الرؤية — بما في ذلك القشرتان البصرية الأولية والثانوية — كانت تعيد تنظيم نشاطها عند كل تغيير في قواعد التصنيف. وكانت أنماط نشاط الدماغ أكثر وضوحًا عندما كانت المهمة أكثر صعوبة، ما يشير إلى أن النظام البصري لا يكتفي بالرؤية، بل يساهم بفعالية في حل المهام المعرفية المعقدة.
اللافت أن المشاركين الذين أظهروا أداءً أفضل في تصنيف الأشكال كانت لديهم أنماط عصبية أكثر تميزًا في بيانات fMRI، مما يدل على أن هذه المناطق البصرية تلعب دورًا مباشرًا في اتخاذ القرارات السريعة والمرنة.
آفاق جديدة لتصميم أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مرونة
تشير نتائج هذه الدراسة إلى إمكانيات جديدة في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التكيف مع المهام والسياقات الجديدة بشكل أكثر مرونة، وهو أمر لا يزال يمثل تحديًا أمام النماذج الحالية.
وتضيف الباحثة: “المرونة الإدراكية هي أحد أبرز ما يميز العقل البشري. ونأمل أن تساعدنا هذه الاكتشافات على بناء نماذج اصطناعية يمكنها التكيف بسهولة ليس فقط مع مدخلات جديدة، بل مع سياقات جديدة بالكامل”.
الخطوة القادمة: من الرؤية المجهرية إلى الذكاء الاصطناعي
يعمل فريق البحث حاليًا على توسيع نطاق الدراسة ليشمل فهم كيفية عمل الترميز المرن على مستوى الدوائر العصبية، من خلال تسجيل النشاط العصبي داخل الجمجمة. كما يشرعون في تطبيق المفاهيم المستخلصة على نماذج الذكاء الاصطناعي بهدف تصميم أنظمة يمكنها التعلم والتكيف في بيئات متغيرة كما يفعل الدماغ البشري.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
