في بلد يعاني من واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء في العالم، تبرز الطاقة الشمسية كأكثر الحلول واقعية وقابلية للتطبيق. دراسة علمية حديثة تقترح أن اليمن، رغم تعقيدات الحرب والانقسام، يمتلك فرصة فريدة لإعادة بناء نظامه الكهربائي من الصفر—ولكن هذه المرة بطريقة أكثر مرونة واستدامة، مستلهمًا تجربة الصين التي نجحت خلال ثلاثة عقود في التحول إلى قوة عالمية في الطاقة الشمسية.
الدراسة التي أعدها الباحث اليمني كرامي سعيد العريقي، ونُشرت في مجلة علمية دولية متخصصة، لا تقدم مجرد تحليل نظري، بل تطرح خارطة طريق عملية تتكيف مع واقع الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات، وفي مقدمتها اليمن.
نظام كهرباء انهار… وسوق شمسي نشأ من الفوضى
قبل اندلاع الحرب، كان قطاع الكهرباء في اليمن يعاني أصلًا من هشاشة مزمنة، حيث لم يكن يغطي سوى نصف السكان تقريبًا، مع اعتماد شبه كامل على محطات الوقود الأحفوري. غير أن التصعيد العسكري في عام 2015 أدى إلى انهيار شبه كامل للمنظومة، مع تراجع القدرة الإنتاجية إلى أقل من خمس ما كانت عليه سابقًا، وحرمان غالبية السكان من الكهرباء العامة.
في هذا الفراغ، لم ينتظر اليمنيون حلولًا مركزية، بل اتجهوا بشكل متسارع إلى الطاقة الشمسية كخيار اضطراري. خلال سنوات قليلة، أصبحت الألواح الشمسية مشهدًا مألوفًا فوق أسطح المنازل، خصوصًا في المناطق الريفية، حيث يعتمد معظم السكان عليها كمصدر رئيسي للإضاءة. غير أن هذا الانتشار، رغم أهميته، ظل عشوائيًا وغير منظم، ما خلق تحديات تتعلق بالجودة والاستدامة وغياب الأطر التنظيمية.
فجوة بحثية… ومحاولة لردمها
تشير الدراسة إلى وجود فجوة واضحة في الأدبيات العلمية؛ فالدول المتقدمة تقدم نماذج ناجحة للطاقة الشمسية لكنها تفترض استقرارًا سياسيًا ومؤسسيًا غير متوفر في اليمن، بينما تركز الدراسات المحلية على التكيف مع الأزمة دون تقديم حلول استراتيجية قابلة للتوسع.
ومن هنا، تسعى الدراسة إلى ردم هذه الفجوة عبر الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن نقل تجارب ناجحة مثل الصين إلى بيئة معقدة مثل اليمن دون الوقوع في فخ النماذج غير القابلة للتطبيق؟
الصين… قصة نجاح مبنية على التدرج
تكشف الدراسة أن التحول الصيني في الطاقة الشمسية لم يكن نتيجة قرار مفاجئ، بل جاء عبر مسار طويل قائم على التدرج والتجريب والتكيف. فقد بدأت الصين بالاستثمار في البحث العلمي والتطبيقات الصغيرة في المناطق الريفية، قبل أن تطور أطرًا قانونية وتنظيمية واضحة، ثم انتقلت إلى دعم المشاريع الكبرى، وصولًا إلى مرحلة النضج التي أصبحت فيها الطاقة الشمسية جزءًا أساسيًا من السوق دون اعتماد كبير على الدعم الحكومي.
هذا المسار، كما يوضح الباحث، يقدم درسًا مهمًا لليمن: النجاح لا يأتي من القفز إلى الحلول النهائية، بل من بناء منظومة تدريجية تتكيف مع الواقع المحلي.
خارطة طريق لليمن: من التجربة إلى التطبيق
انطلاقًا من هذا التحليل، تقترح الدراسة نموذجًا مرحليًا يبدأ بمشاريع تجريبية صغيرة تهدف إلى تقليل المخاطر واختبار الحلول في بيئة معقدة. هذه المشاريع، بحسب الدراسة، يجب أن ترافقها مشاركة مجتمعية حقيقية، بحيث يتحول السكان من مجرد مستهلكين إلى شركاء في الإنتاج والإدارة.
كما تؤكد الدراسة على أهمية تصميم سياسات مرنة قادرة على التعامل مع التقلبات الاقتصادية، مثل التضخم وانهيار العملة، إلى جانب بناء شراكات دولية تسهم في توفير التمويل ونقل الخبرات التقنية. وفي الوقت ذاته، تشدد على ضرورة الاستثمار في بناء القدرات المحلية، لضمان استدامة هذه المشاريع على المدى الطويل.
الطاقة كمدخل للتنمية
لا تتوقف أهمية الطاقة الشمسية عند توفير الكهرباء فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا تنموية أوسع. فإتاحة الطاقة بشكل مستقر يمكن أن تعيد تشغيل الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، وتفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة، وتوفر فرص عمل، خصوصًا في المجتمعات الريفية.
وتشير الدراسة إلى أن ربط مشاريع الطاقة ببرامج مكافحة الفقر—كما حدث في الصين—يمكن أن يحول الطاقة من مجرد خدمة إلى أداة لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
تحديات لا يمكن تجاهلها
ورغم الطموح الذي تحمله هذه الرؤية، لا تغفل الدراسة عن التحديات الكبيرة التي تواجه تنفيذها في اليمن. فاستمرار الصراع، والانقسام المؤسسي، وضعف البنية التنظيمية، كلها عوامل تعيق تطبيق السياسات بشكل فعال. كما أن نقص البيانات الدقيقة حول السوق المحلي يزيد من صعوبة التخطيط واتخاذ القرار.
ما بعد الأزمة: فرصة لإعادة البناء بشكل مختلف
في المحصلة، تقدم الدراسة رسالة واضحة: اليمن لا يحتاج فقط إلى إصلاح ما دمرته الحرب، بل يمتلك فرصة لإعادة التفكير في شكل نظامه الطاقي بالكامل. فبدلًا من العودة إلى نموذج مركزي هش، يمكنه تبني نظام لامركزي يعتمد على الطاقة الشمسية، أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه الأزمات.
وفي بلد طال انتظاره للكهرباء، قد تكون الشمس—التي لم تغب يومًا—هي المفتاح لبداية جديدة.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
