الرئيسية / أبحاث و دراسات / خُضرة المدن سلاح خفي لمواجهة تغيّر المناخ
roof-garden-plants-architecture-buildings-9f3fd1-1024

خُضرة المدن سلاح خفي لمواجهة تغيّر المناخ

في الوقت الذي تزداد فيه المدن ازدحامًا وتتصاعد فيه وتيرة التغيّر المناخي، تتسلل حركات الزراعة الحضرية بهدوء إلى واجهة النقاش البيئي والاجتماعي. دراسة جديدة أجرتها ثلاث جامعات بولندية — جامعة SWPS، وجامعة وارسو للتكنولوجيا، وجامعة وارسو لعلوم الحياة — كشفت عن الإمكانات الهائلة للحدائق الحضرية في تعزيز التكيف مع تغيّر المناخ وبناء الروابط المجتمعية في العاصمة البولندية وارسو.

بحسب الدراسة التي نُشرت في مجلة Miscellanea Geographica تحت عنوان: “رأس المال الاجتماعي لمجتمعات البساتين الحضرية كداعم لحلول التكيّف مع تغيّر المناخ – دراسة حالة من وارسو”، فإن هذه الحدائق ليست مجرد مساحات خضراء للزراعة، بل منصات للتعليم البيئي، والتفاعل الاجتماعي، وإعادة الاتصال بالطبيعة.

يقول البروفيسور بيوتر مايجيفسكي، أستاذ علم الاجتماع الثقافي في جامعة SWPS والمشارك في إعداد الدراسة:

“الدوافع التي تحرّك مزارعي المدن تتجاوز الزراعة بحد ذاتها؛ إنها تدور حول بناء المجتمع، وتبادل المعرفة، والإسهام الإيجابي في حماية البيئة، واستعادة العلاقة المفقودة مع الطبيعة.”

وتُشير الدراسة إلى أن وارسو تمتلك فرصًا كبيرة لتوسيع البساتين الحضرية، إذ حدد الباحثون أكثر من 1860 هكتارًا من الأراضي غير المستغلة — مثل المروج والبساتين القديمة والحدائق العامة والأراضي الصناعية المهجورة — وكلها تقع على بُعد أقل من 600 متر من المناطق السكنية. هذه المساحات يمكن أن تتحول إلى حدائق تعليمية واجتماعية وترفيهية تدعم البنية التحتية الخضراء للمدينة.

اللافت أن الزراعة الحضرية في وارسو ليست نشاطًا فرديًا، بل حركة اجتماعية تشارك فيها فئات متنوعة: مجموعات من السكان، جمعيات، مؤسسات تعليمية وثقافية، وحتى المدارس. وعمومًا، يتراوح عدد الأعضاء النشطين في كل حديقة بين 10 و15 شخصًا، بالإضافة إلى الزوّار والمشاركين الموسميين. أما الفئات الأكثر نشاطًا فتشمل النساء من كبار السن ذوات التعليم العالي، والعائلات من الطبقة المتوسطة.

الهدف الأساسي من هذه البساتين، كما تقول القيادات المجتمعية، لا يتمحور حول إنتاج الغذاء، بل حول حماية التنوع البيولوجي، إدارة النفايات العضوية، تقديم أنشطة تعليمية بيئية، وتعزيز الصحة النفسية والجسدية عبر العمل الجماعي في الهواء الطلق.

ويخلص الباحثون إلى ضرورة دمج الزراعة الحضرية في سياسات التخطيط الحضري بوصفها أداة استراتيجية لمجابهة تغيّر المناخ. كما يدعون السلطات المحلية إلى توفير دعم منهجي لتوسيع هذه المبادرات، ومعاملتها كجزء لا يتجزأ من إدارة المساحات الحضرية والبنية التحتية البيئية.

وفي خضم التحديات البيئية والاجتماعية المعاصرة، تُثبت البساتين الحضرية أنها ليست فقط مساحات خضراء، بل بذور أمل لمستقبل أكثر توازناً، تُزرع اليوم لتنمو غدًا.

شاهد أيضاً

صورة من مدينة المكلا حضرموت للمصور البجيكي دان.

تلوث بيئي يهدد الحياة البحرية على امتداد سواحل حضرموت في اليمن

كشفت دراسة علمية حديثة أن الرواسب البحرية على سواحل المكلا وبروم في محافظة حضرموت لم …