مع غروب الشمس في اليمن، لا يحل الليل وحده، بل تحضر معه حكاية ممتدة من العتمة. في مدن وقرى كثيرة، لا يعني انقطاع الكهرباء مجرد إزعاج عابر، بل يتحول إلى واقع يومي يعيد تشكيل تفاصيل الحياة، من مياه لا تُضخ، إلى مستشفيات تكافح للبقاء، وأسر تبحث عن أي مصدر للضوء.
وسط هذا المشهد، تأتي دراسة علمية حديثة لتفتح نافذة مختلفة على المستقبل، وكأنها تقول إن هذه العتمة قد لا تكون قدرًا دائمًا.
محاولة لفهم ما يمكن أن يكون
قاد الباحث محمد دُهيس من جامعة لاهور في باكستان وفريقه العلمي دراسة اعتمدت على نماذج محاكاة متقدمة لرسم ملامح قطاع الطاقة في اليمن حتى منتصف هذا القرن. لم يكن الهدف مجرد وصف الأزمة، بل محاولة تخيل مسارات بديلة، تبدأ من الواقع الحالي بكل تعقيداته، وتنتهي عند احتمالات أكثر استدامة وأقل كلفة بيئيًا.
اعتمد الباحثون على نموذج تخطيط طويل الأمد يتيح مقارنة سيناريوهات متعددة، بعضها يمدد الوضع القائم، وبعضها يذهب بعيدًا نحو التحول الكامل إلى مصادر الطاقة المتجددة.
بلد غني بالطاقة… فقير بالكهرباء
تكشف المفارقة نفسها بوضوح في تفاصيل الدراسة. اليمن، الذي يعاني من واحدة من أشد أزمات الطاقة في المنطقة، يمتلك في الوقت ذاته ثروات طبيعية هائلة غير مستغلة. فالشمس تسطع لساعات طويلة وبشدة عالية، والرياح تهب بقوة على سواحله، ومع ذلك ظل الاعتماد الأكبر على الوقود الأحفوري، بما يحمله من كلفة اقتصادية وبيئية.
الحرب التي اندلعت قبل أكثر من عقد لم تزد المشهد إلا تعقيدًا، إذ أدت إلى تعطيل البنية التحتية وتراجع الاستثمارات، لتتحول الكهرباء إلى سلعة نادرة بدل أن تكون خدمة أساسية.
حين يصبح المستقبل سؤالًا مفتوحًا
ما حاولت الدراسة الإجابة عنه لم يكن مجرد سؤال تقني، بل سؤال وجودي لبلد بأكمله: كيف يمكن تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء دون تعميق الأزمة البيئية؟
تشير التقديرات إلى أن الطلب على الكهرباء في اليمن مرشح للارتفاع بشكل كبير خلال العقود المقبلة، مدفوعًا بالنمو السكاني وتحسن مستويات المعيشة. هذا التزايد يضع البلاد أمام خيارين متناقضين، إما الاستمرار في المسار التقليدي بكل تبعاته، أو القفز نحو نموذج جديد يعتمد على الطاقة النظيفة.
الشمس كخيط أول للنجاة
في قلب السيناريوهات التي طرحتها الدراسة، تبرز الطاقة الشمسية بوصفها العنصر الأكثر حضورًا. لم تعد مجرد خيار نظري، بل أصبحت بالفعل جزءًا من الواقع، حيث لجأ إليها كثير من اليمنيين خلال سنوات الحرب كحل فردي لتعويض غياب الشبكة العامة.
هذا التحول الصامت، الذي بدأ على أسطح المنازل وفي الحقول، يعكس إمكانات أكبر بكثير مما هو قائم حاليًا، ويشير إلى أن الطاقة المتجددة قد تكون الطريق الأقرب لإعادة بناء قطاع الكهرباء من الأساس.
بين الأرقام والواقع
تذهب الدراسة إلى أن التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة يمكن أن يقلل الانبعاثات بشكل كبير، مقارنة بما سيحدث إذا استمر الاعتماد على الوقود الأحفوري. وفي أحد السيناريوهات الأكثر طموحًا، يكاد قطاع الكهرباء يصل إلى حالة شبه خالية من الانبعاثات بحلول عام 2050.
لكن هذه الأرقام، رغم دلالتها، لا تعني أن الطريق سهل. فالفجوة بين الإمكانات النظرية والتطبيق العملي ما تزال واسعة، خاصة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد.
ما وراء الكهرباء
لا تتوقف أهمية هذه النتائج عند حدود الطاقة فقط، بل تمتد إلى مجالات أوسع تمس حياة الناس بشكل مباشر. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل هي أساس لقطاعات حيوية مثل الزراعة والصحة والتعليم، ما يجعل أي تحول في هذا القطاع ذا أثر مضاعف على المجتمع ككل.
واقعية الحلم وحدوده
ورغم الصورة التي تبدو واعدة، تحرص الدراسة على التذكير بأن نتائجها تعتمد جزئيًا على افتراضات وبيانات قد تكون غير مكتملة، بسبب صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة في بلد يعيش ظروفًا استثنائية. وهذا يعني أن السيناريوهات المطروحة تظل احتمالات قابلة للتحقق، لكنها ليست مضمونة.
نهاية لا تُكتب بعد
في النهاية، لا تقدم الدراسة قصة مكتملة بقدر ما تفتح بابًا للسرد. بين واقع مثقل بالأزمات، ومستقبل يحمل إمكانات كبيرة، يقف اليمن عند مفترق طرق حاسم.
قد تكون الشمس التي تشرق كل يوم على هذا البلد هي نفسها التي تملك مفتاح خروجه من العتمة، لكن تحويل هذا الضوء إلى واقع مستدام يظل مرهونًا بما هو أبعد من العلم وحده.
Yemen Science يمن ساينس: الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة، موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
