كشفت دراسة علمية حديثة أن الرواسب البحرية على سواحل المكلا وبروم في محافظة حضرموت لم تعد مجرد بيئة طبيعية صامتة، بل أصبحت مؤشرًا حساسًا لتزايد التلوث الناتج عن الأنشطة البشرية، وعلى رأسها تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، في ظل تأثيرات موسمية معقدة.
معلومات الدراسة
الدراسة نُفذت من قبل باحثين من جامعة حضرموت وجامعة صنعاء، بقيادة الباحثة إيمان باعثمان، وركزت على تحليل الخصائص الفيزيائية والكيميائية للرواسب البحرية في 14 موقعًا ساحليًا خلال عام 2024، موزعة بين فترتي ما قبل الرياح الموسمية وبعدها.
واعتمد الفريق البحثي على قياسات ميدانية وتحاليل مخبرية وفق معايير علمية دولية، بهدف فهم التغيرات الموسمية وتحديد مصادر التلوث وتأثيرها على البيئة البحرية.
لماذا هذه النتائج مهمة؟
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم بيانات مرجعية نادرة عن بيئة بحرية يمنية تعاني من ضعف في المراقبة البيئية، وتكشف عن تداخل معقد بين العوامل الطبيعية (كالرياح الموسمية) والضغوط البشرية، ما يجعل الرواسب البحرية عنصرًا حاسمًا لفهم صحة النظام البيئي الساحلي.
تلوث يتجاوز الحدود
أظهرت النتائج وجود تباينات واضحة في خصائص الرواسب بين المواقع والمواسم، مع تسجيل تجاوزات للحدود البيئية المسموح بها محليًا ودوليًا، خصوصًا في المناطق القريبة من مصبات مياه الصرف.
ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة:
• ارتفاع درجات حرارة الرواسب بعد موسم الرياح، ما يعزز النشاط البكتيري وتحلل المواد العضوية
• زيادة ملحوظة في التوصيل الكهربائي والمواد الصلبة الذائبة، وهي مؤشرات على تراكم الأملاح والملوثات
• تغيرات في تركيزات عناصر كيميائية رئيسية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والصوديوم والبوتاسيوم
مياه الصرف: المصدر الأكثر تأثيرًا
تشير البيانات إلى أن مواقع الدراسة القريبة من مخارج مياه الصرف سجلت أعلى مستويات التلوث، حيث تؤدي هذه المياه إلى إدخال كميات كبيرة من المواد العضوية والأملاح إلى البيئة البحرية.
وتحذر الدراسة من أن هذا النوع من التلوث قد يؤدي إلى تدمير المواطن البحرية مثل الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية، كذلك إحداث تأثيرات سامة على الكائنات الحية بالإضافة إلى تعطيل عمليات النمو والتكاثر
دور الرياح الموسمية في تشكيل التلوث
تلعب الرياح الموسمية دورًا محوريًا في إعادة توزيع الملوثات، إذ تسهم في خلط المياه وتخفيف تركيزها أحيانًا، لكنها في المقابل قد تدفع الملوثات نحو القاع، حيث تتراكم داخل الرواسب البحرية.
كما تؤثر هذه الديناميكيات على حركة الرسوبيات وتركيبها الكيميائي، ما يفسر التغيرات الموسمية التي رصدتها الدراسة.
انعكاسات على النظام البيئي
تشير النتائج إلى أن استمرار هذا الوضع قد يقود إلى تدهور طويل الأمد في النظام البيئي الساحلي، بما يشمل انخفاض التنوع الحيوي، ضعف قدرة النظام البيئي على التعافي و تهديد الثروة السمكية
محددات الدراسة
رغم شمولية التحليل، تشير الدراسة إلى بعض المحددات، أبرزها التركيز على فترة زمنية محدودة (عام واحد)، غياب تحليل بيولوجي تفصيلي للكائنات البحرية علاوة على اقتصار الدراسة على نطاق جغرافي محدد
توصيات علمية
تدعو الدراسة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، من بينها إعادة تأهيل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، تطبيق معايير صارمة لتصريف الملوثات، إنشاء برامج رصد بيئي موسمية مستمرة إلى جانب حماية المناطق الساحلية الحساسة
تؤكد هذه الدراسة أن الرواسب البحرية لم تعد مجرد عنصر طبيعي، بل أصبحت سجلًا بيئيًا يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها السواحل اليمنية. وبينما توفر هذه النتائج أساسًا علميًا مهمًا، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويلها إلى سياسات فعالة لحماية البيئة البحرية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
الشبكة اليمنية للعلوم والبيئة (يمن ساينس) موقع يهتم بأخبار العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والسكان
