الرئيسية / أبحاث و دراسات / من الورق إلى الخوارزمية.. لماذا لا يزال التحول الرقمي ينتظر عند أبواب الجامعات اليمنية؟
جامعة ذمار
THAMAR UNIVERSITY
جامعة ذمار THAMAR UNIVERSITY

من الورق إلى الخوارزمية.. لماذا لا يزال التحول الرقمي ينتظر عند أبواب الجامعات اليمنية؟

تقرير – يمن ساينس

عبدالرحمن أبوطالب

تقف مؤسسات التعليم العالي في اليمن عند مفترق طرق حاسم. بين أزمات البنية التحتية الشديدة والواقع الاقتصادي الصعب. و في الوقت الذي يجتاح فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي والرقمنة الشاملة أروقة الجامعات حول العالم، يسعى الأكاديميون والباحثون اليمنيون إلى صياغة رؤى علمية قادرة على الجسر بين الواقع التقليدي ومتطلبات المستقبل الرقمي. سلطت أربع دراسات يمنية علمية حديثة الضوء على أبعاد هذه العلاقة المعقدة، مظهرةً كيف يُمكن للرقمنة والذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل التعليم الجامعي والبحث العلمي في البلاد إذا ما توفرت البيئة المناسبة.

 

لا تبدو المشكلة، عند جمع نتائج الدراسات الأربع، في غياب الحديث عن التكنولوجيا أو إدراك أهميتها. المشكلة الأعمق تظهر في المسافة بين إدراك الحاجة إليها وبين تحويل ذلك الإدراك إلى بنية تحتية وخطط قابلة للقياس وقواعد قانونية تحكم الاستخدام وممارسة جامعية فعلية.

كل واحدة من الدراسات الأربع تنظر إلى المشهد من نافذة مختلفة. واحدة تسأل: أين يقف التعليم العالي اليمني من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟ وأخرى تفتش في الخطط الجامعية بحثًا عن مؤشرات تقيس الاستجابة للذكاء الاصطناعي. وثالثة تنتقل إلى القانون وتسأل عمن يتحمل المسؤولية وما الذي يحدث للخصوصية والتحيز والسلامة عندما تدخل الخوارزميات الجامعة. أما الرابعة، فتتجه إلى جامعة صعدة محاولة الانتقال من تشخيص المشكلة إلى بناء تصور عملي للتحول الرقمي في برامج الدراسات العليا.

لكن عند وضع الأوراق الأربع جنبًا إلى جنب، تظهر قصة واحدة تقريبًا:

الذكاء الاصطناعي ليس نقطة البداية بالنسبة إلى الجامعات اليمنية، بل مرحلة متقدمة تسبقها حلقات لم تكتمل بعد؛ تبدأ بالتحول الرقمي والبنية التحتية، وتمر بالتخطيط والقياس، ولا تنتهي عند التشريع والحوكمة.

وهذا هو الخيط الذي يجمع الدراسات الأربع.

 واقع رقمي «يكاد يكون منعدمًا»

تبدأ الصورة الأوسع من دراسة الباحث موافق البراق، من كلية المجتمع بالأهجر في القبيطة، التي تناولت «واقع التحول الرقمي وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في مؤسسات التعليم العالي». اعتمدت الدراسة منهجًا وصفيًا، وراجعت أربعين دراسة بحثية وتقارير ورش عمل دولية، واستفادت من التجربة الصينية للمقارنة بالواقع اليمني. وانتهت إلى توصيف شديد الوضوح: واقع التحول الرقمي وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في مؤسسات التعليم العالي اليمنية «ضئيل جدًا».

وعند تفصيل الاستنتاجات تصبح الصورة أكثر حدة؛ إذ تذهب الدراسة إلى أن واقع التحول الرقمي في مؤسسات التعليم العالي «يكاد يكون منعدمًا»، وأن ما يُنفذ يجري في الحدود الدنيا، مع غياب معيار لتقييمه.

المفارقة التي تلتقطها الدراسة أن الحديث عن الانتقال الرقمي ليس جديدًا تمامًا في البيئة اليمنية. فهي تشير إلى جهود ومؤتمرات تناولت التعليم الإلكتروني والتحول الرقمي، لكنها تقول إن التوصيات التي خرجت بها لم تتبعها إجراءات تنفيذية ملحوظة حتى في حدها الأدنى.

هنا تظهر أولى حلقات القصة:

الفجوة ليست بين الجامعة اليمنية والذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما بين التوصية والتنفيذ.

وتضع الدراسة شرطًا مهمًا لفهم ترتيب الأولويات، الاستخدام الكفؤ للذكاء الاصطناعي ينبغي أن يسبقه «تحول رقمي شامل» لمؤسسات الدولة، ومنها التعليم العالي. وتقترح تشكيل لجان متخصصة تساعد صناع القرار على اتخاذ قرارات ممولة لتأسيس البنى التحتية اللازمة للتحول الرقمي.

بهذا المعنى، لا يمكن القفز مباشرة إلى الخوارزمية بينما البيئة التي ستعمل فيها لم تتحول رقميًا بعد.

ماذا يمكن أن تكسب الجامعة؟

لا تقدم الدراسات التكنولوجيا باعتبارها غاية مستقلة. دراسة البراق تربطها بمجموعة من الوظائف التعليمية والإدارية والبحثية التي يمكن أن تتغير إذا جرى الاستخدام بصورة صحيحة.

فالذكاء الاصطناعي، وفق ما تستعرضه الدراسة، يستطيع المساعدة في تحليل أداء الطلاب، وتحديد من يحتاج منهم إلى تدخل إضافي، وإدارة بعض مهام الفصل مثل الجدولة والدرجات وتخطيط الدروس. كما يمكن لتحليل بيانات الطلاب أن يقود إلى بيئات تعليمية أكثر تخصيصًا لاحتياجات المتعلم.

وتوسع الدراسة دائرة الفوائد لتشمل تحسين الوظائف الإدارية والقدرات التعليمية والبحثية، وتحديث المناهج، وتجويد العملية التعليمية، وتفريد التعليم بحيث يلائم احتياجات كل طالب، وأتمتة بعض المهام والاستفادة من تحليل البيانات.

لكن هذه الإمكانات المستقبلية تكشف في الوقت نفسه مشكلة الحاضر:

الجامعة التي تريد اتخاذ قرارات مبنية على البيانات تحتاج أولًا إلى بيانات وأنظمة رقمية وخطط تستطيع قياس نتائجها.

وهنا تدخل الدراسة الثانية إلى المشهد.

ما لا يمكن قياسه يصعب إدارته

بحث أنيس عوض عاشور باجبير عن الذكاء الاصطناعي في مكان قد لا يبدو بديهيًا للوهلة الأولى، ألا وهي خطط الجامعات ومؤشرات قياس أدائها.

في دراسته «علاقة مؤشرات قياس الأداء بالذكاء الاصطناعي في التعليم العالي: دراسة تحليلية لواقع خطط الجامعات اليمنية»، استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي ودرس وثائق وخطط عينة اقتصرت على جامعتين حكوميتين يمنيتين. وكان السؤال في جوهره:

إذا كانت الجامعات اليمنية تتجه فعلًا نحو الذكاء الاصطناعي، فهل يظهر ذلك في الطريقة التي تخطط بها وتقيس بها أداءها؟

النتيجة لم تكن مشجعة.

وجدت الدراسة تدني مستوى العلاقة بين مؤشرات قياس الأداء المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وبين الخطط الاستراتيجية والتشغيلية والتقارير السنوية التي فحصتها، إلى جانب غياب بنود أو معايير متخصصة من الوزارة تدفع نحو هذه الممارسة.

وهذا يضيف مستوى آخر إلى الفجوة التي رصدتها دراسة البراق. فالمشكلة ليست بنية رقمية محدودة فقط؛ بل إن الذكاء الاصطناعي، في العينة التي حللها باجبير، لا يحظى أيضًا بالحضور المطلوب داخل أدوات التخطيط والقياس التي يفترض أن تحول الأهداف العامة إلى أداء يمكن متابعته.

وتصل الدراسة في خاتمتها إلى وصف لافت، مفاده أن الجامعات التي تناولتها لا تزال تتعامل مع التخطيط الموجه للذكاء الاصطناعي باعتباره «رفاهية» وليس أولوية للاستجابة للنهضة المنشودة.

لذلك يدعو باجبير إلى أن تتضمن الخطط الاستراتيجية والتشغيلية مؤشرات أداء مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإلى بناء قدرات الجامعات ووضع سياسات ولوائح تساعد على صياغة الخطط بصورة منهجية، مع تخصيص مختصين لمتابعة جهود الجامعة وتقييم استجابتها لخطتها.

وهكذا تصبح الحلقة الثانية واضحة:

بعد البنية الرقمية تأتي القدرة المؤسسية على التخطيط والقياس.

فالقول إن جامعة ما تريد استخدام الذكاء الاصطناعي يظل هدفًا عامًا ما لم يمكن الإجابة عن أسئلة من قبيل: ماذا ستفعل؟ ومتى؟ وكيف ستقيس التقدم؟ ومن سيتابع النتائج؟

من التشخيص إلى نموذج جامعة صعدة

إذا كانت الدراستان السابقتان تكشفان ضعف الواقع والتخطيط، فإن الباحثين عبد الملك محمد يحيى شاكر، من جامعة صعدة، والعباس منذر وردي الآلوسي، من جامعة ذمار، حاولا الاقتراب خطوة من سؤال التنفيذ.

قدما تصورًا مقترحًا لتطبيق التحول الرقمي في برامج الدراسات العليا بالجامعات اليمنية، متخذين جامعة صعدة نموذجًا. واستخدما أسلوب «دلفاي» (Delphi)، وهو أسلوب يسعى إلى الوصول إلى قدر من التوافق بين مجموعة من الخبراء عبر جولات متتابعة من إبداء الرأي والمراجعة. وعرض الباحثان تصورهما على خبراء أكاديميين متخصصين من جامعات يمنية، قبل تعديل التصور في ضوء آرائهم والوصول إلى اتفاق في الجولة الثانية.

أهمية هذه الورقة ضمن الصورة الأكبر أنها تحاول الانتقال بالسؤال من «لماذا نحتاج التحول الرقمي؟» إلى «كيف يمكن أن نبني له تصورًا؟».

فالتحول الرقمي في تعريف الدراسة لا يعني مجرد إضافة أجهزة أو برامج جديدة، وإنما انتقال مجالات العمل في الجامعة من الأنظمة التقليدية إلى أنظمة رقمية قائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما يشمل تصميم البرامج التعليمية الرقمية وتدريب أعضاء هيئة التدريس والعاملين والطلبة على التعامل مع الوسائط والتقنيات الحديثة.

ويستهدف التصور المقترح تحسين جاهزية الجامعات اليمنية لتطبيق التحول الرقمي في برامج الدراسات العليا، وجامعة صعدة بصورة خاصة، وتوفير بنية تحتية رقمية داعمة بما يخدم جودة تلك البرامج.

وتوصي الدراسة قيادات الجامعات اليمنية، وجامعة صعدة على وجه الخصوص، بالعمل على الحد من معوقات تطبيق التصور وتبنيه عمليًا، والاستفادة من تجارب الجامعات التي حققت نجاحًا في التحول الرقمي. كما تقترح أن تمتد الأبحاث اللاحقة إلى قياس امتلاك أعضاء هيئة التدريس للكفايات الرقمية في ضوء التحول الرقمي.

والرابط مع الدراستين السابقتين مهم: ما شخصته دراسة البراق باعتباره ضعفًا في الواقع، وما رصده باجبير باعتباره ضعفًا في التخطيط والقياس، تحاول دراسة جامعة صعدة التعامل معه على مستوى بناء تصور مؤسسي للتحول.

لكن حتى وجود البنية والخطة لا يكمل الصورة.

عندما تدخل الخوارزمية.. من يتحمل المسؤولية؟

ثمة سؤال آخر يظهر بمجرد انتقال الذكاء الاصطناعي من النقاش النظري إلى الاستخدام الحقيقي: ماذا يحدث عندما تبدأ الجامعة بجمع بيانات الطلاب وتحليلها، أو الاعتماد على خوارزمية في التقييم والتوجيه واتخاذ القرارات؟

هنا تنتقل القصة من قاعات الجامعة وإدارتها إلى القانون.

استخدم الباحثان، فتحي عبد الرحمن الشويطر وعادل أحمد العفيري، في دراستهما «التحديات القانونية لدى المشرع اليمني نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في مؤسسات التعليم العالي»، المنهجين الوصفي والتحليلي لدراسة البيئة القانونية والاستخدامات المحتملة لهذه التقنيات وآثارها.

وحدد الباحثان أربع قضايا قانونية محورية، هي المسؤولية القانونية، والخصوصية، والتحيز، والسلامة.

هذه ليست مخاوف منفصلة عن الفوائد التي تتحدث عنها الدراسات الأخرى، بل تكاد تكون الوجه الآخر لها. فتحليل بيانات الطلاب، مثلًا، قد يساعد في تخصيص التعليم وتحسين الأداء، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤال حماية تلك البيانات. والخوارزميات التي تساعد في التقييم قد ترفع الكفاءة، لكنها تثير سؤال التحيز. أما زيادة اعتماد المؤسسة على أنظمة ذكية فتجعل تحديد المسؤولية عن الخطأ مسألة أكثر تعقيدًا.

وتشير دراسة البراق نفسها، عند تناول عوائق الاستخدام، إلى مخاوف مرتبطة بالتعرف على الوجه والمراقبة داخل الفصول والتحيز الخوارزمي والخصوصية وأمن بيانات الطلاب.

وهنا تتقاطع الدراستان من زاويتين مختلفتين: واحدة ترى المشكلة ضمن معوقات التبني المسؤول للتكنولوجيا، والثانية تضعها مباشرة أمام المشرع.

وتشير الدراسة القانونية، في مقارنتها التشريعية، إلى أن قانون الجرائم والعقوبات اليمني الذي تناولته الدراسة خلا من الإشارة إلى الجرائم التي ترتكب بوسائل تقنية حديثة، مكتفيًا بالقواعد العامة، في سياق إبراز الفجوة التي يرى الباحثان ضرورة معالجتها تشريعيًا.

ولهذا تنتهي الورقة إلى المطالبة بمشاريع قانونية يمنية صريحة ودقيقة تحدد المسؤوليات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، وما يعد استخدامًا مشروعًا وما لا يعد كذلك، مع الدعوة إلى مزج متوازن بين أدوات الذكاء الاصطناعي والدعم البشري لخدمة الباحثين والمعلمين والطلاب.

 أربع دراسات.. وسلسلة واحدة

عند قراءة الأوراق الأربع بصورة منفصلة، تبدو موضوعاتها مختلفة: واقع التكنولوجيا، مؤشرات الأداء، تصور للدراسات العليا، ثم القانون.

لكن قراءتها مجتمعة تكشف تسلسلًا أكثر إثارة للاهتمام.

دراسة البراق تقول، في جوهر نتائجها، إن القاعدة الرقمية نفسها ما تزال محدودة للغاية. ودراسة باجبير تكشف أن الاستجابة للذكاء الاصطناعي ضعيفة الحضور في التخطيط ومؤشرات القياس في العينة التي درستها. ودراسة شاكر والآلوسي تحاول بناء تصور مؤسسي يمكن من خلاله الانتقال إلى التحول الرقمي في برامج الدراسات العليا. ثم تأتي دراسة الشويطر والعفيري لتقول إن الانتقال إلى الاستخدام يحتاج أيضًا إلى إطار قانوني يحدد المسؤولية ويحمي الخصوصية ويواجه التحيز ومخاطر السلامة.

وهكذا يمكن قراءة الدراسات الأربع بوصفها أجزاء من معادلة واحدة:

بنية رقمية، ثم تخطيط وقياس، ثم تطبيق مؤسسي، وبالتوازي معها حوكمة وتشريع.

وهذا الاستنتاج ليس نتيجة دراسة واحدة من الدراسات الأربع، وإنما نمط يظهر عند الربط بين نتائجها ومقترحاتها.

كما يظهر بينها نمط ثانٍ: التكنولوجيا في هذه الأوراق ليست مجرد شراء أجهزة أو إدخال تطبيقات حديثة إلى قاعات الدراسة. التحول الذي تتحدث عنه الدراسات يمتد إلى الإدارة والمناهج وأعضاء هيئة التدريس والطلاب والبحث العلمي والبيانات والتخطيط والقانون.

والنمط الثالث ربما يكون الأكثر أهمية، وهو أن المشكلة التي تصفها الدراسات مؤسسية بقدر ما هي تقنية.

فإذا كانت البنية التحتية شرطًا للتطبيق، فإنها ليست كافية وحدها. تحتاج الجامعة إلى مهارات رقمية وخطة، والخطة تحتاج إلى مؤشرات تستطيع قياسها، واستخدام البيانات والخوارزميات يحتاج إلى قواعد تحدد ما يجوز فعله ومن يتحمل المسؤولية عندما تسوء الأمور.

سباق لا يكفي فيه شراء التكنولوجيا

تكمن أهمية الصورة التي تقدمها الدراسات الأربع في أنها تغير السؤال المطروح على التعليم العالي اليمني.

السؤال ليس فقط متى ستستخدم الجامعات اليمنية الذكاء الاصطناعي؟ السؤال الأكثر دقة هو، هل أصبحت البيئة الجامعية نفسها جاهزة لاستخدامه بصورة مفيدة وقابلة للقياس وآمنة؟

دراسة الواقع تقول إن الطريق الرقمي ما يزال في بداياته. ودراسة الخطط تشير إلى فجوة في مؤشرات الأداء. ودراسة جامعة صعدة تقترح مسارًا لتحسين الجاهزية في برامج الدراسات العليا. والدراسة القانونية تحذر من أن الاستخدام من دون قواعد واضحة يمكن أن ينقل الجامعات من مشكلة التأخر التقني إلى مشكلات من نوع جديد تتعلق بالحقوق والمسؤولية والخصوصية.

ولذلك، فإن المفارقة التي تخرج من قراءة الأوراق الأربع ليست أن الجامعات اليمنية تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أنها تحتاج أولًا إلى بناء النظام الذي يستطيع استيعاب الذكاء الاصطناعي.

حدود ما تقوله الدراسات

مع ذلك، ينبغي ألا تتحول نتائج هذه الأوراق إلى حكم شامل على كل جامعة يمنية. فالدراسات الأربع مختلفة في مناهجها وحدودها. دراسة البراق وصفية اعتمدت على مراجعة أربعين دراسة وتقارير وتجارب دولية وليست مسحًا ميدانيًا شاملًا لكل مؤسسات التعليم العالي اليمنية. ودراسة مؤشرات الأداء اقتصرت عينتها على جامعتين حكوميتين، ولذلك لا يجوز تعميم نتائجها إحصائيًا على جميع الجامعات اليمنية دون تحفظ.

أما دراسة التحول الرقمي في الدراسات العليا فهي “تصور مقترح” اتخذ جامعة صعدة نموذجًا واعتمد على آراء مجموعة من الخبراء بطريقة دلفاي؛ ومن ثم فإنها تقدم إطارًا مقترحًا لتحسين الجاهزية أكثر مما تقدم تقييمًا لتطبيق مكتمل على أرض الواقع. وفي المقابل، اعتمدت الدراسة القانونية المنهجين الوصفي والتحليلي لدراسة البيئة التشريعية والمخاطر القانونية، وليست دراسة تجريبية تقيس استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي فعلية داخل الجامعات.

لكن هذه الاختلافات المنهجية هي نفسها ما يجعل جمع الدراسات الأربع مفيدًا. فهي لا تكرر السؤال ذاته، وإنما تقترب من المشكلة من مستويات مختلفة.

ومن هذه الزوايا المتعددة تخرج صورة واحدة يصعب تجاهلها: الطريق إلى جامعة يمنية تستفيد فعليًا من الذكاء الاصطناعي لا يبدأ بتنزيل أحدث تطبيق، ولا ينتهي بتوصية مؤتمر. إنه مسار يبدأ ببناء البيئة الرقمية، ويحتاج إلى خطط ومؤشرات تستطيع معرفة إن كان التقدم يحدث فعلًا، وإلى كوادر قادرة على العمل داخل تلك البيئة، وإلى قواعد قانونية تحمي من ستصبح بياناتهم وقراراتهم جزءًا من عمل الخوارزميات.

وعندها فقط ينتقل السؤال من «هل تدخل الجامعات اليمنية عصر الذكاء الاصطناعي؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف تدخله، وعلى أي أساس، وبأي ضمانات؟»

شاهد أيضاً

قابلة في اليمن تقدم خدمات الرعاية الصحية للأم والوليد. مصدر الصورة: صندوق الأمم المتحدة للسكان.

أسباب الإجهاض المتكرر في اليمن وعلاقة فيروس CMV والتوكسوبلازما والحصبة الألمانية بها

تشير دراسة علمية جديدة أجراها باحثون من جامعة ذمار وجامعة البيضاء، بالتعاون مع المستشفى الثالث …