الرئيسية / العلوم و التكنواوجيا / أنا و جوجل -الجزء الأول
وائل غنيم - المدير الاقليمي لجوجل الشرق الاوسط سابقا
وائل غنيم - المدير الاقليمي لجوجل الشرق الاوسط سابقا

أنا و جوجل -الجزء الأول

وائل غنيم

في منتصف عام 2005، تلقيت اتصالا هاتفيا دوليا من انجلترا، على الخط الآخر: “أهلا بك، اسمي ….. وأعمل في فريق إدارة الموارد بشركة Google”، ظهرت على وجهي علامات فرحة لا بد وأنها قد ظهرت للمتحدثة على الطرف الآخر بسبب نبرة صوتي التي تغيرت فجأة، وكيف لا أفرح فالشركة هي المصنّفة رقم 1 على العالم ضمن شركات الإنترنت وأيضا في الشركات التي تحترم موظفيها والوظيفة هي المدير الإقليمي للشركة!

سألني بعض أصدقائي وقتها حين أخبرتهم عن تلك المكالمة السعيدة عن الواسطة التي اعتمدت عليها للحصول على هذه الفرصة الفريدة للانضمام لشركة بحجم Google. كنت أرد مبتسما واسطتي كانت: لوحة مفاتيح، وكابل إنترنت.

لم يكن غريبا أن يتصلوا بي، فسيرتي الذاتية هي عبارة عن حياة عنكبوتية بدأت في 1997 حتى يوم التقديم للوظيفة، كل مشاريعي كانت على الإنترنت، والشركات التي عملت بها كانت

وائل غنيم - المدير الاقليمي لجوجل الشرق الاوسط سابقا
وائل غنيم – المدير الاقليمي لجوجل الشرق الاوسط سابقا

شركات إنترنت، حتى زوجتي تعرفت عليها عبر الإنترنت.

الموظفة قالت لي: خلال الأيام القادمة سنبدأ معك مجموعة من المقابلات مع بعض مديري الشركة في فروعها المختلفة، ينبغي عليك قبل البدء في هذه المقابلات قراءة المزيد عن الشركة والتعرف على
منتجاتها وسياساتها. كن مستعدا و أتمنى لك التوفيق.

لم أكن في حاجة لأقرأ شيئا عن الشركة، فأنا أتابع باهتمام نشاطها وأعرف كل منتجات الشركة تمام المعرفة وأستخدم أغلبها، بل وأقرأ سنويا ميزانيتها وأعرف حجم مبيعاتها ومصروفاتها. عشقي للشركة لم يكن سوى تقديرا لدورها في توفير المعلومات للبشرية. فكر قليلا كيف كان جدّي وجدّك يبحثون عن أي معلومة يحتاجونها وكم وقتا يستغرقونه في ذلك. فكر قليلا ماذا كنا سنفعل بدون الإنترنت وشركاتها وخاصة تلك الشركة المبدعة.

بدأت المقابلات، كانت متعة في حد ذاتها أن تتحاور مع عقول بشرية متميزة من مختلف دول العالم، فرنسا وانجلترا وأمريكا والمغرب وهولندا. مقابلات مع موظفين من أقسام التسويق والمبيعات وقسم الهندسة وقسم التطوير وقسم المحاسبة. كل موظف يدخل الشركة لا بد أن يجري عددا لا بأس به من المقابلات مع موظفين من أقسام مختلفة من الشركة، رأيهم يتم الأخذ به، وتقييمهم يؤخذ في الاعتبار.

في المقابلة الثالثة سألتني: “دعني أحدثك بصراحة، أعتقد أن خبرتك العملية أقل من الخبرة المطلوبة لتلك الوظيفة، فنحن نبحث عن من سيكون مديرا إقليميا للشركة في العالم العربي وسيكون دوره إنشاء فروع الشركة في المنطقة، وأنت خريج عام 2004، ولكنني لا أستطيع إنكار أن أداءك في المقابلة يحمسني إلى كتابة توصية باستمرارك في المقابلات. أتمنى لك التوفيق”.

قبل المقابلة الرابعة، وصلتني رسالة بريدية: “ما هي الخطة الاستراتيجية التي ستقوم بتنفيذها إذا حصلت على هذه الوظيفة؟ ما هي أولى الخطوات التي ستخطوها؟ ما هي المنتجات التي ترى أهمية وجودها في المنطقة؟”. الإجابة كانت في 12 ورقة كتبتها خلال ثلاثة أيام من البحث والمثابرة والتفكير.

كانت المقابلة الرابعة، مع مديرة مبيعات مسؤولة عن أفريقيا والعالم العربي وبعض دول أوروبا الشرقية، دخلت المقابلة وقد قرأت كل ما كتبت. عبرت عن إعجابها بإصراري وبما كتبت. انتهت المقابلة وهي ترى أنني سأكون يوما ما موظفا في شركة Google.

في المقابلة الخامسة، كان رجلا جادا، وسط المقابلة سألني: “كم حلاقا في الصين؟”. ضحكت متنزيلن غرابة السؤال، ولكن بحكم ما قرأته أثناء الاستعداد للمقابلات علمت أنه سؤال ليس غرضه تقديم اجابة نهائية احصائية عن عدد حلاقي الصين ولكن الغرض الحقيقي هو البحث عن القدرات التحليلية للمتقدم للوظيفة.

“عبقرية منتجات الشركة، وقدرتها على التأثير الايجابي في حياة مئات الملايين من البشر، وفرصة العمل مع كفاءات من أفضل كفاءات العالم في مختلف المجالات، وسياسة تعامل الشركة مع موظفيها، وأخيرا وهو الأهم دور الإنترنت في تطوير العالم العربي”، كانت هذه إجابتي لسؤال: لماذا تريد الانضمام لشركة Google، الذي سألني إياه موظف Google الفرنسي الذي اتصل بي من مكتب باريس.

اتصلت بي مسؤولة الموارد البشرية مرة أخرى بعد المقابلة الثامنة: “وائل أنت تُبلي بلاء رائعا. المقابلة القادمة ستكون مع نائب رئيس الشركة في منطقة أوروبا والشرق الأوسط”.

بسرعة كعادتي بحثت عن اسم المسؤول في Google لأقرأ عنه المزيد، كان رئيسا لأحد أكبر شركات الاتصالات الأمريكية، وعضوا لمجلس إدارة العديد من الشركات العالمية، ومسؤولا عن العديد من المشاريع التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات. لم يكن كل هذا في صالحي. لم أبلغ بعد 25 عاما، خبرتي الحياتية أقل بكثير من خبرته. ولكن ماذا سنخسر؟

كانت أصعب مقابلة، وتلقيت فيها أسئلة لم يكن لدي لها أي إجابات. “كم هي عدد عمليات الاندماج بين الشركات التي شاركت فيها؟”، “ما هو تقييمك للبنية التحتية للإنترنت في العالم العربي؟” وغيرها من الأمثلة.

بعد المقابلة بأسبوع، وصلتني رسالة: “نعتذر لك، حيث أنه وبعد دراسة النتيجة النهائية لمقابلاتك وجدنا أنك لست الشخص المناسب لهذه الوظيفة حيث أننها تتطلب خبرة في عدة مجالات تفتقد فيها الخبرة وكان هناك من هو أفضل منك وقد نال بالفعل الوظيفة. نتمنى لك التوفيق في حياتك العملية”.

برغم الحزن والاكتئاب الذي حلّ عليّ بعد هذه الرسالة، قلت لزوجتي: “خسرت الجولة ولكنني لم أخسر الفرصة”.

شاهد أيضاً

الخيال العلمي

الخيال أهم من المعرفة

حبيب سروري “الخيال أهم من المعرفة”، عبارة لآينشتاين، قد تبدو غامضة، لولا استعارة “الدرع والفارس” …