الرئيسية / العلوم و التكنواوجيا / لماذا ينتشر العلم الزائف كالنار في الهشيم.
images

لماذا ينتشر العلم الزائف كالنار في الهشيم.

 د.نضال قسوم

من كان يتصور أنه في عام 2018 سيمثل تصور “الأرض المسطحة” تيارا قويا في الثقافة العالمية؟ إن الأمر لا يقتصر على وجود عدد هائل من الأصوات التي تصرخ بقناعتها أن الأرض مسطحة، وأن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا NASA تكذب باستمرار بشأن الصور التي تنشرها عن الأرض، بل صرنا، نحن العلماء وناشروا العلوم، محاصرين ومهاجمين بسبب تمادينا”الساذج”في مؤامرة”العلم” الغربية…من يصدّق أن من بيننا حاصلون على شهادات دكتوراه(بما في ذلك فيزيائية عربية يمكن مشاهدتها في مقابلة على اليوتيوب) من الذين يشنون -وبكل ثقة- حملة دفاع وترويج للأرض المسطحة!

 

إن هذا الصد والرفض للمعرفة الراسخة لا يقتصر على موضوع الأرض المسطحة فحسب، فإن التنجيم أيضا يشهد “نهضة”. بالفعل، لقد أشار عدد كبير من مواقع الإنترنت أن حركة الدخول إلى صفحاتها الخاصة بالأبراج قد ازدادت، أضعافا مضاعفة،خلال السنوات القليلة الماضية، وكان الإرتفاع في إحدى الحالاتبـ 150 بالمائة بين عامي 2016 و 2017 !

 

وإن هذه الظاهرة الإجتماعية والثقافية لا تقتصر على مجالات الفضاء، بل إن مثل ذلك لوحظ، وبشكل أكثر انتشارا، في المواضيع الطبية، مع تزايد شعبية الأدوات والإجراءات التقليدية أو اللاعلمية، من الأساور المغناطيسية إلى المعالجة المثلية (أو الطب التجانسيhomeopathy).

 

ومازاد الطين بلة،هو أن هذه الثقافة المضادة، أوالحركة الرفضية، غالبا ما ترافق عقلية المؤامرة: إذ يزعمم أن الصور الفلكية (بما في ذلك وبشكل خاص تلك المتعلقة بالأرض) مزيفة،وبأن المهمات والبعثات الفضائية محض تمثيليات،وبأن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، تضع الأكاذيب بغرض حماية ميزانيتها البالغة مليارات الدولارات، وأن العلماء بـ”الصادقين” (الذين يجرأون برالأرض الكروية - جدل مستمر الأرض الكروية – جدل مستمرد ادعات ناسا) يتم إسكاتهم وطردهم من مناصبهم…

 

لقد بدأ هذه الحركة بالترويج لفكرة أن الهبوط على سطح القمر كان خدعة،وتتواصل اليوم بالقول الساخر: “تقول إن إيلون مسك ElonMusk أرسل سيارته الحمراء إلى المريخ؟هل تعتقد أنني أحمق؟”…

 

فما الذي يفسر هذا التوجه المدهش والمقلق في ثقافة اليوم؟

 

أولا، إن العلم وما ينتجه من تكنولوجيا متقدمة هو ضحية لنجاحاته.يتقدم العلم بسرعة كبيرة بالنسبة للمتابعين من عامة الناس، فيصل إلى نتائج وحقائق ونظريات وتطبيقات غالبا ما تكون محيرة جدا، ومناقضة لما يبدو للناس كبديهيات، مما يترك معظم الناس مذعورين مجبرين على الاختيار بين أمرين: قبول ما تم تقديمه، من غير فهم أي شيء منه في الغالب، أو رفضه تماما والاحتفاظ بشيء من الاستقلالية والسيطرة على الحياة الخاصة للمرء.

 

وبدلا من وجود “ثقافتين” (ما لاحظه تشارز بيرسي سنوC.P Snow قبل ستين عاما)، فإنني أرى ظهور “عالمين” في مجتمعاتنا: نخبة ذات تعليم جيد، تفهم العلم(على الأقل بالقدر الذي يتيح لها متابعة التطورات العلمية المختلفة)، فئةأخرى لا يمكنها فهم ذلك، فتتبنى نظرتها الخاصة للعالم، نظرة مبنية على العلم الزائف والتفكير المؤامرتي.

 

ما هو العلم الزائف؟ هو أي معرفة تبدو علمية، إذ تستخدم ألفاظا “علمية” وتستشهد بعلماء، غالبا بشكل مجتزئ، ولا تتطلب منا تجاوز حدسنا واستبداله بأفكار معقدة، غير أن تلك المعرفةلا تعتمد على المنهجية العلمية الصحيحة ولذا فتجدها تصل الى نتائج خاطئة ولم يعرف أصحابها لماذا هي خاطئة.

 

فعلى سبيل المثال، يتحدث “التنجيم” عن الأبراج ودخول الشمس والقمر والكواكب فيها، وعن الخسوف والكسوف ومختلف الحركات والدورات الفلكية، والتي هي جميعها أمور علمية، لكن يضيف إليها فكرة “الترابط” بيننا نحن البشر وبين الأجرام الفضائية، الشيء الذي قد يجده الناس معقولا وجذابا، لكنه غير صحيح البتة.

 

يكتب “التنجيم” تنبؤاته بطريقة تخاطبنا بشكل مقنعحول شخصياتنا وحياتنا وتجاربنا اليومية. ففي إحدى التجارب الشهيرة، أعطى أستاذ نفس التنبؤ التنجيمي لجميع طلابه، وطلب منهم تقييم مدى صحة انطباقه عليهم، فكانت النتيجة أن متوسط “الارتباط” كان 4.2 من 5. بعبارة أخرى، فإن أغلب الطلبة قالوا:”هذا ينطبق علي”، على الرغم من أنه كان بالضبط نفس النص. هكذا ينجح وينتشر العلم الزائف…

 

هناك سبب ثان مهم لهذه الظاهرة المتنامية، وهو وسائل التواصل الاجتماعي. إن أدوات التواصل والتبادل الجديدة بين الناس قد لعبت دورا في ذلك، إذ لا يهم فيها كم تملك من التعليم والخبرة، مما قل منه أو كثر، في موضوع معين، فإنكستحصل على فرصة متساوية للتعبير عن “رأيك” والمجادلة عنه مع المختصين. وإن تجرّأ عالم على عرض خبرته حول موضوع ما، فسيتم وصفه بأنه”نخبوي”، ويتعرض إثر ذلك للهجوم.

 

وعلاوة على ذلك، يحصل المشاهير على الملايين من المتابعين، وتحصد آراؤهم حول المسائل التي لم يحيطوا بها علما، اعتمادا من قبل عدد لا يحصى من الناس..وما يكمل الظاهرة ويغلق الحلقة، أن الناس يتشبثون دون وعي بوجهات نظرهم التي تمسكوا بها طويلا،والتي غالبا ما تكون خاطئة، ويميلون إلى البحث عن الحجج التيتؤيد وتدعم أفكارهم، وهذا ما يعرف بـ:”الانحياز التأكيدي” في علم النفس. إن تغيير العقليات لهو في كثير من الأحيان معركة شاقة.

 

ما الذي بإمكاننا فعله؟ أولا، يجب على مدرّسي وناشري العلوم، أن يكونوا على وعي وإلمام تامين بهذه الاتجاهات وأسبابها.ثانيا، تحتاج مناهجنا التعليمية وأساليبنا التربوية لأخذ كل ما سبق ذكره من التحيزات والظروف الاجتماعية في الحسبان. فقبل أن يتم تدريس أي معرفة علمية، على المعلمين معالجة الأفكار الدفينة، وجعل تلاميذهم وطلبتهم مدركين وواعين بأن “الحقائق البديهية” غالبا ما تكون خاطئة. ولا يمكن الحصول على المعرفة والفهم الصحيحين، بطريقة متسقة وطويلة الأمد،إلا بعد أن تكشف وتصحح المفاهيم الخاطئة، والمغالطات الفكرية.

 

إن على عاتق المربين والمعلمين والكُتّاب والإعلاميين وصانعي الرأي العاممسؤولية كبيرة في تصحيح الأضرار التي تُلحِقها الوسائط الرقمية بالجيل الشاب. علينا أن ننشر المعرفة الحقيقية، ونصحح طرق التفكير، حتى لا نغرق كليا في الخرافات والعلوم الزائفة.

 

ترجمة أ. خولة العقون – جريدة غولف-نيوز يوم 

 

 

شاهد أيضاً

شبكة العمل المناخي الدولية تطلق دليلا تدريبا لحملات الطاقة المتجددة.

شبكة العمل المناخي الدولية تطلق دليلا تدريبا لحملات الطاقة المتجددة

أطلقت شبكة العمل المناخي الدولية أمس دليلا لتنفيذ و إدارة حملات طاقة متجددة، بصورة ناجحة …