الرئيسية / الأرض و الفضاء / الطاقة المظلمة للكون.. تفوق قدرة الفيزياء!
الطاقة المظلمة
الطاقة المظلمة

الطاقة المظلمة للكون.. تفوق قدرة الفيزياء!

أثبت العلماء في أكثر من تجربة وأكثر من موضع، أن كوننا لا يزال في حالة تمدد مستمر، كناتج لقوة الانفجار العظيم الذي لا تزال آثاره حاصلة في الكون حتى يومنا هذا. لكن كيف تتواجد طاقة هذا الانفجار العظيم، وما هي صورتها أو ما هي طبيعتها؟

الطاقة المظلمة وتمدد الكون

في وقت مبكر من تسعينيات القرن الماضي، كان هناك شيء واحد مؤكد بخصوص عملية تمدد الكون، وهو أن الكون من الممكن أنه يحمل كثافة قليلة للطاقة التي قد تؤدي لوقف عملية التمدد هذه وإعادة انكماش الكون من جديد. هذه الطاقة من الممكن أن تكون ضئيلة جدًا لدرجة أنها ستسمح بالتمدد إلى الأبد لولا أن قوة الجاذبية تعمل على تقليل هذا التمدد.

وحتى هذه اللحظة لم يجد العلماء دليلًا عمليًّا على حدوث عملية تباطؤ في تمدد الكون، لكن من الناحية النظرية فإن الكون على موعد فعلي مع تباطؤ التمدد. فالكون مليء بالمادة، وقوة التجاذب الخاصة بالجاذبية تقوم بمحاولة تجميع جميع المواد مع بعضها البعض مرة أخرى.

ظل هذا الأمر في رأس العلماء حتى جاء عام 1998، وجاءت ملاحظات تليسكوب الفضاء هابل الشهير الخاصة بالنجوم المتفجرة متناهية البعد، أظهرت الملاحظات والبيانات التي جاء بها التليسكوب أن تمدد الكون يتباطأ منذ زمن بعيد، لكن المفاجأة أن التباطؤ كان أكثر مما هو عليه الآن. بمعنى آخر فإن الكون يتسع بالفعل منذ زمن بعيد مضى لكن بمعدل أبطأ مما هو عليه في وقتنا الحاضر.

هذا الأمر يعني أن توسع الكون وتمدده لم يتباطأ بسبب الجاذبية كما كان يعتقد الجميع، لكن الكون كان ولا يزال في حالة تسارع. في ذلك الوقت أصاب العلماء الذهول لأنه لم يكن أحد يتوقع هذا الأمر، والأهم أن أحدًا لم يكن يملك أي تفسير عن سبب حدوث هذا الأمر، لكن بالتأكيد هناك شيء ما يسبب هذا التسارع، وهو ما بدأ العلماء في البحث عنه.

في النهاية، جاء العلماء النظريون بثلاثة أنواع من التفسيرات. التفسير الأول كان أن هذا التوسع الزائد ربما كان نتيجة لنسخة طويلة ومهملة من نظرية أينشتين حول الجاذبية، نسخة من نظرية أينشتين تضم ما يعرف بثابت الكون. والتفسير الثاني كان احتمال وجود نوع معين غريب من الطاقة شبيه بالسوائل التي تملأ الكون كله. والتفسير الثالث كان باحتمال وجود شيء خاطئ فيما يتعلق بنظرية أينشتين عن الجاذبية، وبالتالي وجوب وجود نظرية جديدة عن الجاذبية تشمل نوعًا من المجالات التي تسبب هذا التسارع الكوني.

لا يزال العلماء لا يعرفون السبب الحقيقي على وجه الدقة، لكنهم يعرفون بوجود حل معين فقدموا اسمًا للحل، ألا وهو الطاقة المظلمة.

 

الطاقة المظلمة مسؤولة عن تسارع تمدد الكون المنظور

الطاقة المظلمة
الطاقة المظلمة

 

في علم فيزياء الكونيات وعلم الفلك، فإن الطاقة المظلمة هي شكل غير معروف من الطاقة التي يفترض نظريًا أنها تتخلل كل جزء من الفضاء وتميل إلى تسريع عملية تمدد الكون. وفكرة الطاقة المظلمة كانت الفرضية الأكثر قبولًا لشرح الملاحظات التي اكتشفها العلماء والتي تشير لتمدد الكون.

وبافتراض صحة النموذج القياسي لعلم الكونيات، وهو النموذج الذي توصل إليه العلماء لشرح كيفية بناء الكون وتفسيرها، فإن القياسات الفيزيائية تقول إن الطاقة المظلمة تساهم بنسبة 68.3% من إجمالي الطاقة الموجودة في الكون المرصود في وقتنا الحاضر.

وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، تقول إن المعروف عن هذه الطاقة أقل بكثير مما نعرفه. فالعلماء يعرفون كمية الطاقة المظلمة الموجودة في الكون لأنهم يعرفون مقدار التوسع الذي تسببه للكون. لكن فيما عدا هذا الأمر فإن كل ما يعرفه العلماء عن الطاقة المظلمة هو تقريبًا لا شيء.

أحد التفسيرات التي تتعلق بماهية الطاقة المظلمة، هو أنها خاصية من خصائص الفضاء. العالم الألماني الأمريكي ألبرت أينشتين كان هو أول من أدرك أن فراغ الفضاء لا يعني عدم وجود شيء. فالفضاء يحمل خصائص مذهلة، الكثير من هذه الخصائص لا تزال في بداية اكتشافها حاليًا. الخاصية الأولى التي اكتشفها أينشتين كان أنه من الممكن أن يتواجد المزيد من الفضاء.

ثم جاءت النسخة المعدلة لنظرية أينشتين عن الجاذبية والتي تضم الثابت الكوني لتضع تنبؤًا ثانيًا، وهو أن الفضاء الخالي يمكن أن يمتلك الطاقة الخاصة به. لأن هذه الطاقة هي ملك للفضاء نفسه وبالتالي فإنها لن تقل أو تضعف مع تمدد الفضاء وتوسعه. هذا يعني أنه عبر نشأة حيز جديد للفضاء نتيجة التمدد فإن المزيد من الطاقة تنشأ لتتسبب هذه الطاقة في زيادة تمدد الكون وتوسعه مع مرور الزمن.

المثير في الموضوع هو أن العلماء لا يفهمون لماذا يجب أن يوجد هذا الثابت الكوني، ولماذا يجب أن يكون بهذه القيمة التي تؤدي إلى تسارع تمدد الكون المنظور.

المذهل في الأمر أن العلماء الذين لا يعرفون حتى هذه اللحظة على وجه الدقة ماهية هذه الطاقة، قاموا بوصفها على أنها طاقة الفضاء الفارغ نفسه، فبدلًا من أن يمنحونا وصفًا يمكن استيعابه للطاقة المظلمة، قاموا بإعطاء وصف لا يمكن فهمه على الإطلاق، فما معنى أن للفراغ طاقة؟

الطاقة المظلمة

الطاقة المظلمة للكون

قيمة الطاقة المظلمة

من هنا فإن الطاقة المظلمة هي عبارة عن قوة تنافر مسؤولة ليس عن تمدد الكون، ولكن عن تسريع عملية تمدد الكون. هذه الطاقة تمكن العلماء من قياسها أول مرة عام 1998. وطبقًا لما ذكرناه عن الطاقة المظلمة أنها هي طاقة الفراغ نفسه، فمعنى هذا أنه حتى يمكن حساب مقدار الطاقة المظلمة فنحن بحاجة إلى جمع كل الطاقة الخاصة بالفراغ في جميع أنحاء الفضاء.

وقبل أن تخبرني باستحالة هذا عمليًّا، فقد قام علماء الفيزياء النظرية بحساب هذا المقدار، ووجدوا أنه 10120 مرة أقوى من القيمة التي يمكن أن يلاحظها علم الفلك لجميع أجسام الكون.

العلماء يخبروننا أن هذا الرقم ستبلغ قيمته النظرية ألف تريليون تريليون تريليون مرة، أكبر من حجم عدد الذرات الموجودة في الكون كله. هذا الرقم بالطبع لا يمكن لأي عقل بشري استيعابه، وبالتالي فقد دخلنا إلى منطقة لا يمكن للفيزياء أن تتعامل معها لأنها خارج حدود القدرات البشرية بكل ما أنتجته من قوانين الفيزياء وعلومها منذ نشأة البشرية على الأرض.

العلماء يقولون لنا إننا محظوظون أن الرقم الحقيقي لهذه القوة هو أقل من الرقم الذي توصل إليه العلماء النظريون، لأننا لو وافقناهم على هذا الرقم لقام الكون بتمزيق نفسه حرفيًا، لأنه في هذه الحالة فإن القوى النووية التي تجمع مكونات الذرة ببعضها البعض ستكون قوة مهملة أمام هذا الرقم العملاق وبالتالي لما وجدت مجرات ولا كواكب ولا حتى حياة في الكون.

من ناحية أخرى، فإن الأمر محبط جدًا جدًا كوننا لا نستطيع استخدام نظرياتنا الحالية للكون لمحاولة تطوير قياس أفضل لهذه الطاقة المظلمة والتي يمكن أن تتسق مع المعطيات الموجودة أمامنا.

هناك طريقة وحيدة نظرية توصل لها العلماء يمكن أن تعطينا بعض الإجابات فيما يتعلق بالمادة المظلمة وقوتها الهائلة هذه التي تفوق قوة تمدد الكون للحد أن تزيد من سرعة التمدد ذاتها. يقول هاري كليف، عالم الفيزياء في مختبر سيرن الأوروبي، إننا إن تمكنا من التأكد من أن الكون الخاص بنا هو واحد من مليارات الأكوان المتوازية، فإنه سيكون لنا القدرة لفهم هذه القيمة الغريبة للطاقة المظلمة، لأنه في الكون المتعدد فقط يمكن أن تكون الطاقة المظلمة كبيرة جدًّا بحيث يحصل تمزق للكون وينفتح على أكوان أخرى.

لإثبات هذا الأمر فإن العلماء سيحتاجون إلى اكتشاف جسيمات جديدة من شأنها أن تدعم النظريات التي يقول عنها بعض العلماء إنها متطرفة، مثل نظرية الأوتار والتي تتوقع وجود أكوان متعددة. حاليًا لا يوجد سوى موقع واحد يمكنه أن ينتج مثل هذه الجسيمات وهو «مصادم هادرون الكبير»، في سيرن.

هذا الأمر يمكن أن يحدث خلال أيام قليلة قادمة عند البدء في إعادة تشغيل مصادم الهدرونات الكبير بقوة أكبر، للتأكد من بعض البيانات التي ظهرت في تجربة سابقة نهاية العام الماضي، والتي تدل على وجود جسيمات جديدة مكتشفة.

علاء السيد

ساسة بوست

شاهد أيضاً

ورشة تدريبية حول الصحافة العلمية اليمن

اليمن: أول مشروع تدريبي في الصحافة العلمية 

عمر الحياني – صنعاء    “الورش التدريبية في الصحافة العلمية وتغطية قضايا البيئة والتغيرات المناخية …